ما نظل نجهله

الأحد 02 شباط 2020 156

ما نظل نجهله
ياسين طه حافظ 
 
في "بنارس" الهندية أخذني الفضول الى ما يشبه النافذة. لا هي كوة ولا ارتقت لتكون نافذة أو شباكاً منتظماً بشكل معروف. شبه استدارتها، خلوها من الزجاج، ثلاثة قضبان، هذه كلها تبعدها عن المتفق عليه في المدن. وهذه أيضاً تجعل مرور حيوان أو طفل استخدم لغرض، صعباً. 
ثم، لست أنا من انتبه لها، فأنا يستحيل عليَّ الانتباه لمثل ذلك. هو سائق السيارة التي تقلني أشار لها وحرّض على رؤية ما وراءها. حتى اذا رأيت المشهد، طمعت برؤية التفاصيل ومعرفة ما يجري.
ففي تلك الغرفة المستطيلة التي زادت مساحتها على ستين متراً مربعاً، يجري طقس جديد عليَّ، شعيرة هي او ممارسة دينيّة لا أدري الى أيّة طائفة تنتمي وإلى من هم يعودون. خطوط رجال لم أشهد بينهم امرأة ولا طفلاً. ما اسمعه يشبه الهمهمة وقرع طبل لطبّال يستعرض مهاراته. فهو يبدأ هادئاً ثمّ ينفعل ويتصاعد حماسةً. كانت ذراعه حاملة الطبل تتعرّى في الصعود ثمّ يعود الكم نازلاً في النزول. جو السحر واضح على أولئك الضائعين في الغيب والمجهول في غرفة نصف مضاءة وكما الفجر ... 
هذا المشهد أخذني للتفكير بما يسحر أرواحنا ويؤثر تأثيرات غامضة فينا. فنحن في حال مختلف عمّا كنّا وعن غيرنا. هذه "القوة" الغامضة والفاعلة ليست واحدة وليس لها شكل تعرف به وتأثيراتها مختلفة في الناس. هي واحدة من القوى التي يخلقها التصور الإنساني وينظم طقوسها أو شعائرها، كما يؤكد أكثر حضورها لتكون خاصة أو مختلفة عن سواها. فيكسب ناسها، ممارسو شعائرها، حضوراً يجمعهم ويميزهم. ولذلك تتعدد وتزداد هذه العقائد وتختلط بالخرافات والاساطير في بلد شاسع كالهند. كلها توجب الاحترام كما توجب الدرس. هي بعض من محاولات ومساعي "الفرد" لنيل السكينة، لامتلاك "الحامي" و "المعين" لئلا يظل ضائعاً منقطعاً ولا من يلوذ به أو من ينتظر ساعة الشدة يقدم له 
عوناً.
وجود الفرد في هذا الكون الشاسع الغامض الرهيب والمجهول، ليس وجوداً سهلاً. فيحاول ان يجد ما يطمئنه، ما يؤويه، ما يلوذ به ليحسَّ أنّه ليس وحده في هذا التيه. 
ما شهدته يوما وعلى مقربة من بركة أو مسطح مائي، على غرابته، كشف لي أفقاً: رجل يلتف بخرقِهِ يتأمل ضفدعاً مصبوغ الظهر، وكأنّه في مناجاة أو حديث سري خاص. هذا المشهد لك أن تستطرفه، لسواك أن يسخر منه، لثالث أن يراه مما يتركه الجهل والبؤس في حياة وتفكير 
الناس.. لكن، الا تفكير أفضل؟ هذا الرجل سويّ والضفدع مخلوق غير مفترس فلا يخيف. وهو ضئيل ضعيف لا يقدم عوناً ولا ينجد من هو في محنة أو خطر. فلماذا وجد هذا الرجل فيه معنىً خاصاً ووقف عنده؟ 
هو مخلوق من مخلوقات الله أو كائن من كائنات الكون الغامض واللاحدود له. فهو روح. وروح بدائي.
 أي أنّه في أتمّ الصفاء والبراءة. إذاً هو رأى ويرى فجر العالم، سره البعيد الذي افتقدناه وما عدنا نحسّ به او نراه كما الإنسان الاول. مخلوقات وكائنات الكون الحيَّ والجامدة لها أسرارها ومكنونها وصلاتها بالكون حولها والذي وُجدت فيه. وهذا الإنسان المستوحد انتبه إلى هذا الضفدع. شعر بأنّه كما وصفنا. فجثا يتأمّل حامل السر. يتأمّل هذا الكائن البرمائي الذي يشبه عجوزاً اثرياً صغيراً بحجم كف يعيش في معبده المائي أو عالمه أو عزلته. هذا الرجل، لو لم يجد راحةً، لو لم يلامسه معنى، لو لم يكن بينهما تواصل شخصي، تواصل أرواح وأفكار، لما استمرّ ولما اعتاد على ذلك. 
وهو هذا التفسير الذي يقنعني شخصياً وأظنه، إذا سلمت النوايا، يقنع سوايَّ فأنا حين أرى عابد وثن يتقرّب الى وثنه أو الى حيوان أو الى نهر ويضحي له أو يجلس صامتاً قربه بخشوع وأمل، أحسّ أنّه يقول لي لماذا توقد النسوة شموعاً ويرسلنها على الماء يجري بها وهنَّ على علم بأنّها بعد مسافة ستنطفئ. وهو هذا الذي يجتذب الجدةُ العجوز أو الأم أو الفتاة العذراء من قريتها مسافات لتشد خيطاً أو لتطبع حناء على حائط مرقد لولي أو إمام أو رجل صالح. هو تواصل وهو محاولة اتصال أو وصول. 
شخصياً اعتزل في مراقد الأولياء او الصالحين، على مختلف أديانهم، وسواءٌ كان المكان كنيسة أو مسجداً أو مرقد إمام أو رجلاً من عامة الناس صار له شأن روحي وصار مزاراً .. اتخذ مكاناً قصيّاً عن الناس وأنسى نفسي زمناً، لأغادر وكأن كنت في عالم آخر. هو عالمنا الذي صفا وصار ممراً الى الابعد. أحس أني صرت أكثر نظافة وأني لست كما أتيت. ساعة صفاء هي تستوجب ان نفكّر فيها خارج المسلّمات. هي اتصالات جوهر المخلوق بالجوهر الأكبر، بالبدايات أو الأزل أو المعنى. 
لا حاجة لمشادّة أو اعتراض قاس، فهذا أمر خارج وسائلنا وهذه فرص انتباهات غير اعتيادية يوفّرها الصفاء او التفرّغ التام. هي غيابات وصول. 
يوماً وأنا في مرقد إمام شهدت رجلاً من القرى البعيدة، كما يبدو من لهجته وثيابه، يحمل طفلا في الثالثة من عمره. وحين اقترب من شبّاك المرقد الفضي، قبله مرات ومسح فضته بيده ثم مسح وجهه. الطفل اجتذبه اللمعان فقبَّل الفضّة. صاح أبوه بفرح وانتصار: قبِّله "بَعَد"، قبِّله "بَعَد" ، "بَعَد .." ! و بَعَد هنا تعني مزيداً أو أكثر، تعني أعد التقبيل، كرره! 
إذا كنا ألفنا أو اعتدنا على حالة الرجل، فهل فكرنا بفرحته وهتافه أو بـ بَعَدْ ، بَعَدْ .. ؟ هي ليست عاطفة حسب. هذا تماس ورؤيا وتكشف ولاء. هي حالة تواصل حقق فيها الطفل ما يشير الى استمرار المحبّة واستمرار الانتماء وان التواصل مع هذا الروح وراء الفضّة سيستمر.. 
لو صرنا نفكّر هكذا ونفسّر ما نراه تفسيرات فيها احترام لما نجهله، لارتضينا بالعقائد كلها أو، في الاقل، لا نجدها كريهة أو معادية. ولألتقى البشر في بحثهم عن المعنى وسعيهم للوصول. 
لكن كيف أفسّر سياحتي مأخوذاً أدور حول معابد متقاربة في "خاجورا" الهنديّة، صغيرة هي لكن جميلة مدهشة. سياحة أخذت منّي ثلاث ساعات، اقتعدت بعدها العتبة. آخرون مثلي جلسوا. كلٌّ صامت ولا شيء غير الصمت.. ؟ هل عدتُ حجراً، عدتُ الى الطين الذي قيل خُلقتُ منه؟ الدقائق ... طالت، ما شعرتُ بأي من حياتي وبشريتي. لا أفكار ولا لغة ولا تعب أو ألم ولا فرح ولا أي شيء. وفجأة، كأن انتهى الفرض الغامض، انتبهت ونهضت مغادراً. ما التفت ولا نظرت لشيء حولي. هكذا، ومثل شبح عادت له إنسانيته، سرتُ بين
 الناس...