الموجة الإسلامية الثانية!

الاثنين 10 شباط 2020 140

الموجة الإسلامية الثانية!
 جواد علي كسّار
بشيءٍ من التبسيط الوصفي أتعامل مع مجمل الحراك الإسلامي الشعبي والحركي والسياسي، بعد 11 شباط 1979م بصفته الموجة الإسلامية الثانية؛ هذه الموجة التي عمّت فعالياتها أغلب بلدان العالم العربي والإسلامي بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وتأطّرت بعنوان عام هو الصحوة الإسلامية أو حركة الإحياء الإسلامي.
وإذ نعيش الآن الذكرى الحادية والأربعين لهذه الثورة، بودّي أن أعرض تحقيباً لنشاط الإسلام الحركي والسياسي، يتأطّر زمنياً في نطاق ثلاث أو أربع موجات خلال قرن ونيّف.
ما ثمة وجود قبل عام 1924م لاتجاهات الإسلام الحركي وتنظيماته، باعتبار أن الغاية من وجوده متحقّقة بوجود السلطنة العثمانية. أجل، كانت هناك حركات إصلاحية لمعالجة دولة الخلافة، وأوضاع المسلمين في نطاق تلك الدولة، برزت واضحة مع الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وابن باديس وابن عاشور وصاحب»أقوم المسالك» خير الدين التونسي، وعبد الرحمن الكواكبي في»طبائع الاستبداد» و»أم القرى» وأضرابهم. لكن بانهيار السلطنة العثمانية عام 1923م، وغياب آخر كيان سياسي توحيدي لغالبية المسلمين، انطلقت الموجة الإسلامية الأولى، حين تعالت في العالم الإسلامي صيحات العودة إلى الخلافة، وانطلقت دعوات استعادة دولة الخلافة وتأسّست حركات من أجل هذه الغاية، بدءاً من حركة الأخوان المسلمين، وانتهاءً بحركة السيد الخميني.
أسفرت هذه الموجة بعد نصف قرن ونيّف من انطلاقها، عن انتصار الثورة في إيران، وتأسيس الجمهورية الإسلامية؛ المظهر الشيعي لدولة الخلافة الإسلامية المرتقبة، أو التجسيد العملي لـ»العالمية الإسلامية الثانية» بحسب المفكر السوداني الراحل، محمد أبو القاسم حاج حمد.
شكّل انتصار الثورة الإيرانية حداً زمنياً أولاً لانطلاق الموجة الإسلامية الثانية، في حين مثّل عام 2002م حدّها الآخر. يرمز الحدّ الزمني الثاني إلى وصول إسلاميي تركيا للسلطة، عبر الانتصار الذي حقّقه حزب العدالة والتنمية، وهو ينحدر من «إسلامية» نجم الدين أربكان، والحاضنة الحركية المعنوية لصاحب رسائل النور سعيد النورسي، ومن بعده فتح الله غولن.
من مظاهر هذه الموجة توالي صعود الإسلاميين إلى السلطة على نحو جزئي أو كلي، كما حصل في العراق وتونس ومصر والمغرب وليبيا، وأثرهم الكبير المستتر في يمن اليوم، وسوريا المستقبل، تماماً كما كان حكم البشير في السودان، وحركة طالبان أفغانستان، من تجليات الموجة الثانية. تحركت الموجة الثالثة في مدى زمني يقع بين 2002م إلى 2014م تأريخ صعود ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ونجاحه في الاستيلاء على جغرافية عراقية واسعة، مضافاً إلى نفوذه في الشام، وتعاضد قوى جهادية معه بايعته في نيجيريا وموريتانيا ومواقع أُخر، حيث يرى فيه بعض الدارسين موجةً رابعة، انكسرت شوكتها بالعراق، لكنها ممكن أن تنطلق في بلدان أخرى. لقد قامت هذه الموجات مفهومياً على قاعدة الإسلام السياسي؛ إسلام الدولة والحكم وأسلمة النظم، والإسلام الاحتجاجي والجهادي، وذكرى الثورة الإيرانية هي مناسبة موائمة جداً لمراجعة المرتكز المعرفي والشرعي الذي قامت عليه هذه الموجات، ومحاكمتها بمعيار الجدوى والواقعية، لصالح إسلامية إصلاحية ما فتأت مرجعية النجف الأشرف تدعو
إليها