الحكومة اللبنانية الجديدة تحصل على ثقة البرلمان

الثلاثاء 11 شباط 2020 217

الحكومة اللبنانية الجديدة تحصل على ثقة البرلمان
بيروت/جبار عودة الخطاط
 
تحولت منطقة وسط بيروت، امس الثلاثاء الى ساحة اشتباكات عنيفة بين جموع المحتجين الناقمين المطالبين بإلغاء جلسة المجلس النيابي - الذي منح الثقة لحكومة الدكتور حسان دياب بعملية قيصرية متعسرة- وبين القوى الأمنية التي حاولت احتواء الموقف المتفجر وتلقى منتسبوها سيلا من الحجارة والمفرقعات النارية التي رشقها المحتجون الذين تواجد أعداد غير قليلة منهم منذ مساء الاثنين في الشوارع القريبة من ساحة النجمة حيث مقر مجلس النواب اللبناني في بيروت وقد انعقدت الجلسة على وقع الاحتجاج العاصف ونقل أحد النواب جريحاً للمستشفى بعد ضربه على رأسه من قبل المتظاهرين.
 
منح البرلمان اللبناني مساء أمس الثلاثاء الثقة للحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب خلال جلسة مناقشة البيان الوزاري رغم احتجاجات متظاهرين حاولوا صباحاً عرقلة وصول النواب إلى البرلمان.
وبعد جلسة استمرت نحو ثماني ساعات حضرها 84 نائباً من أصل 128، أعلن رئيس المجلس النيابي نبيه بري أن 63 نائباً صوتوا لصالح منح الثقة للحكومة الجديدة، مقابل رفض 20 منهم وامتناع نائب واحد.
 
احتجاج غاضب
وسبق التصويت على منح الثقة للحكومة الجديدة، تحرك للمحتجّين والمعتصمين صباح أمس الثلاثاء من ساحة الشهداء في وسط بيروت  وهم يطلقون شعارات غاضبة منددة بالطبقة السياسية والحكومة الجديدة بينما قامت القوى الأمنية بقطع السير على تقاطع الصيفي باتّجاه ساحة الشهداء وحاول المحتجّون إزالة العوائق في الجدار الاسمنتي الذي تمّ بناؤه أمام مبنى فندق "لو غراي" ومبنى جريدة "النهار"، وتمكنوا من إسقاط دعامتين منه بينما ردّت القوى الأمنية بإطلاق القنابل المسيلة للدموع. محيط جريدة "النهار" الكائن في الساحة شهد  فوضى عارمة اذ عمد بعض المحتجين الى تحطيم أبواب فندق "لو غراي" وواجهته الزجاجية، وقد استطاع بعضهم إزالة أحد السواتر الاسمنتية، وعلى الفور طالبت إدارة فندق "لو غراي" عبر وسائل الإعلام  القوى الأمنية الإسراع بحماية الفندق والعاملين فيه بعد ما لحق بواجهته من خراب  ودخول المحتجين إليه ويتخذ  النواب اللبنانيون الفندق  اقامة شبه مؤقتة لهم. 
ووسط نقمة المتظاهرين وحدة إصرارهم بادرت القوى الأمنية  الى رشهم بخراطيم المياه بينما تجمع محتجون  على الطريق البحرية المؤدية إلى مجلس النواب في اطار سعيهم لقطع الطريق أمام النواب. كذلك حاول محتجّون في زقاق البلاط إقفال الطريق المؤدية إلى مدخل السراي، وقد قامت قوة من الجيش بمنعهم، ونجم عن ذلك حصول اشتباك وتدافع بين المحتجين وعناصر من الجيش حيث اطلق المحتجون هتافات طالبت بعدم منح الثقة للحكومة التي يقولون إنها جاءت خلافا لتطلعاتهم. 
 
ضرب النواب! 
اشتدت الاشتباكات بين المتظاهرين الناقمين والقوى الامنية  بمحيط مجلس النواب، ورشق المحتجون قوى الأمن بالحجارة بينما ردت الأخيرة برشهم بخراطيم المياه. 
وأقفل المحتجون محيط فندق "فينيسيا" بالعوائق البلاستيكية، بينما افترش عدد منهم الأرض في محيط فندق "مونرو".
وقد استطاع عدد من المتظاهرين الوصول الى سيارة النائب عن حركة أمل أنور الخليل خلال توجهه إلى مجلس النواب وتحطيمها كما تم نقل النائب سليم سعادة الى المستشفى بعد تعرضه للضرب على رأسه وتكسير سيارته على يد المتظاهرين واصدر مكتب النائب سعادة، بيانا عما تعرض له النائب قبل جلسة الثقة، جاء فيه: "في تمام الساعة 10,30 صباحا وخلال توجه النائب الأمين سليم عبدالله سعادة الى مجلس النواب لإلقاء كلمة تحمل وجع الناس، ولحجب الثقة عن هذه الحكومة، تعرضت سيارته للاعتداء من قبل بعض المخربين على الثورة الحقيقية وقد أصيب بضربة على الرأس وهو حاليا في مستشفى الجامعة الاميركية في بيروت حيث يتم اجراء الفحوصات الطبية اللازمة". كما تمكّن المتظاهرون في منطقة زقاق البلاط من الوصول إلى سيارة وزير البيئة وشؤون التنمية الإدارية دميانوس قطار بعد مطاردتها ورشقوها بالبيض، بينما عملت القوى الأمنية على تأمين الطريق للسيارة للوصول إلى مجلس النواب، 
 واقدم بعض المحتجين على احراق مصرف لبنان والمهجر في رياض الصلح وسط بيروت..، عناصر الجيش من جانبها قامت بإعادة المحتجين من الإسكوا باتجاه جسر الرينغ لإبعادهم حتى لا يتعرضوا للرشق بالحجارة من قبل مجموعات، وفقا لاعلانها وقد استقدم الجيش الذي استطاع إبعاد المحتجين بعد جولات من حالات الكر والفر. 
 
اعتصامات وجرحى
الصليب الأحمر اللبناني بدوره اعلن نقله  18 جريحاً إلى المستشفيات بينما أعلنت عناصره عن إسعاف 140 مصاباً.
الى ذلك طلبت المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي من المتظاهرين "الحفاظ على سلمية التظاهر وعدم القيام باعمال شغب والابتعاد عن السياج  والجدار الاسمنتي حفاظا على سلامتهم" كذلك شدّدت قيادة الجيش على أنّ "أعمال الشغب والتعدي على الأملاك العامة والخاصة يشوّه المطالب ولا يحقّقها ولا يندرج في خانة التعبير عن الرأي".
هذا واعتصمت مجموعات من المحتجين من حراك حلبا أمام الدوائر الرسمية في المنطقة وشمل تحركهم مؤسسة مياه لبنان الشمالي، مديرية الاستثمار دائرة استثمار حلبا، مبنى المالية، أمانة السجل العقارية ،دائرة المساحة، مركز وزارة العمل، مبنى أوجيرو، مركز "ليبان بوست" داخل سرايا حلبا، مركز التعليم المهني والتقني، مركز التنظيم المدني، والـ BUS، وهتفوا ضد الفساد وضد التشكيلة الحكومية وتجاهلها لمطالب الحراك الشعبي، مشددين على حجب الثقة عنها، وطلبوا من الموظفين التوقف عن العمل، فتم اقفال هذه الدوائر.
كما توجه محتجون الى المحطة الرئيسة للكهرباء في حلبا، وأجبروا الموظفين على تغذية البلدات العكارية بالكهرباء وحذروهم من قطعها.
 
جلسة الثقة
جلسة مجلس النواب اللبناني الخاصة بمنح الثقة للحكومة انعقدت على وقع الاشتباكات والاحتجاجات العنيفة اذ استهلها رئيس المجلس  نبيه بري، بتأكيده " قبل بدء مناقشة البيان الوزاري اود ان اؤكد على امر اننا ابدينا جميعا بدون استثناء الحرص على الحراك الحقيقي وتنفيذ مطالبهم، واليوم مطلوب من هذا الحراك التبرير لنا وللقضاء هل يرضى بالاعتداءات التي حلصت على قوى الجيش وقوى الامن بالامس القريب والبعيد و "اليوم" تحديدا، حيث طال الاعتداء تكسير خمس سيارات تابعة للنواب والوزراء، والادهى من هذا الاعتداء على حياة الزميل الكريم سليم سعادة الذي يعالج في المستشفى اثر ضربه بالرأس ، والان اطمأننت ان عينه سلمت، بانتظار موقفكم ايها الحراك الحقيقي،علما ان هذا المجلس سيبقى للجميع وليس للفتنة"
أما رئيس مجلس الوزراء  اللبناني حسان دياب فأشار خلال تلاوته البيان الوزاري في المجلس الى " أننا وافقنا على تسلم هذه المهمة في ظروف ندرك خطورتها لأننا في مرحلة استثنائية وانطلاقاً من الحس الوطني لدينا ولبنان يواجه أزمات خانقة ومصيرية تستدعي منا مراجعة عميقة واتخاذ خطوات بعضها مؤلم" وشدد" على متابعة التحقيقات واتخاذ الاجراءات اللازمة لكشف مصير الأموال التي حولت الى الخارج منذ 17 تشرين الاول الماضي" وأضاف "مخطئ من يعتقد أنه سينجو من أي انهيار للاقتصاد ومن غضب الناس ولنعترف بأن استعادة الثقة تكون بالأفعال وليست بالوعود وهو مسار طويل يتطلب مصارحة الناس بالحقيقة وإنجازات ملموسة" وبخصوص برنامجه الحكومي قال:" برنامجنا يتضمن خطة طوارئ واصلاحات قضائية تشريعية ومعالجة في الالية العامة تواكبها اجراءات اقتصادية للانتقال من الاقتصاد الريعي الى الإنتاجي وتمكين شبكة الأمان" مؤكداً"  لا يمكن لأي خطة أن تنجح من دون خطوات عملية منها تخفيض الفائدة على القروض والودائع لإنعاش الاقتصاد وتخفيض الدين"
هذا وحصلت الحكومة على ثقة الندوة النيابية بالأغلبية في جلسة دراماتيكية. 
 
هيبة الدولة
في خضم كل هذا الزخم الاحتجاجي وما أفرزه من وقائع في الساحات أفادت المصادر المطلعة على قرار الجهات المعنية بالوضع الأمني ولاسيما ما سبق ان رشح من مقررات المجلس الأعلى للدفاع، الذي انعقد يوم الجمعة الماضي في قصر بعبدا بحضور رئيسي الجمهورية ميشال عون والحكومة حسان دياب اضافة الى قادة الأجهزة الأمنية بان الرئيس عون شدد غير مرة على اهمية ضبط الوضع الأمني للمحافظة على الاستقرار والسلم الاهلي من جهة و"عدم التهاون" مع أي محاولة للنيل من هيبة الدولة ومؤسساتها ومقارها الرسمية وبالتالي فان مسألة انعقاد مجلس النواب لمنح الثقة للحكومة محسوم أمرها...وقد بدأت قطعات الجيش، منذ مساء الاثنين، تنفيذ الإجراءات الكفيلة بضمان تمرير الجلسة، إذ نزل إلى المنطقة عدد من الضباط رفيعي المستوى لدرس التدابير على الأرض، وحضرت القوة الأمنية المعنية ، نظراً إلى توافر المعلومات عن وجود عدد أكبر من المتظاهرين ونيّة لتطويق مجلس النواب والحيلولة دون عقد الجلسة. أما النائب علي بزي، فتساءل "إذا لم يقم مجلس النواب باختصاصه التشريعي ولم يمنح أو يحجب الثقة عن الحكومة، فما البديل؟ كيف ينتظم عمل المؤسّسات في الدولة؟".
ولفت في تصريح له من داخل مجلس النواب، إلى أنّ "الحكومة هي حكومة اختصاصيّين ولا تنتمي إلى الأحزاب السياسيّة، ونفضّل إعطاءها فرصة ويُبنى على الشيء مقتضاه. 
 
"كلن يعني كلن"
على صعيد متصل انتقدت رئيسة "الكتلة الشعبية" ميريام سكاف في تغريدة لها عبر حسابها على "تويتر"  مشاركة بعض الكتل في جلسة الثقة، واشارت "الى اننا امام الحالة نفسها من التذاكي والانفصام وازدواجية المعايير، إذ نراهم يشاركون في السلطة لكنهم ينفضون ايديهم منها ويدعمون الثورة، يشاركون في الحكومة ويعارضونها في الوقت نفسه، يؤمنون نصاب الجلسة لكنهم يحجبون الثقة عن الحكومة". وقالت:"هكذا يحاولون الضحك على الناس، ولكن الناس كشفتهم منذ زمن طويل وقالت لهم بصوت عال: كلن يعني كلن". وقد  غرد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط في ما يشبه الرد على سگاف قائلاً : "أما حضور الجلسة فهو وفق الأصول البرلمانية، ولن نعطي الثقة لبيان وزاري فارغ. وفي هذه المناسبة، أحيي جرأة الأستاذ دوري شمعون وصرخة مطران بيروت بولس عبد الساتر وليتذكر الحراك، الانقلاب السلمي الأبيض عام 1952 ورموزه. إن دروس التاريخ يجب ان تحترم وإلغاء الغير يذكر بأنظمة الاستبداد"
بينما غرد رئيس حزب "التوحيد العربي" وئام وهاب في حسابه على" تويتر" منددا بضرب النائب سعادة بقوله: "الاعتداء على سليم سعادة جبان وحقير وعلى القوى الأمنية توقيف المعتدين أو إقالة الذين سمحوا بالاعتداء"
 
نصاب الجلسة
وعن النصاب ومدى تأمينه في الجلسة أكد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط في تصريح له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ان النصاب قد تأمن وفق الأصول الدستورية واللقاء الديمقراطي موقفه واضح ويسير وفق قناعاته بعيدا عن مزايدات ثنائية، ولن يكون في أي حلف ثلاثي أو غيره الا اذا تأمن برنامج سياسي واقتصادي واضح المعالم والتوجهات"
وقال  رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل في تصريح له عبر مواقع التواصل الاجتماعي ان "افتتاح جلسة الثقة من دون نصاب هو أمر غير دستوري ومخالف للنظام الداخلي. هو ضرب للديمقراطية في لبنان وتحدٍّ لشباب لبنان المنتفض"، معتبرا المشاركة في الجلسة جريمة! .
يذكر أن الجميل أعلن في مؤتمر صحفي له الاثنين مقاطعة الجلسة و"التواجد مع الناس التي ضاقت ذرعا بالحكومة والطبقة السياسية الفاسدة"
 
حكومة عسكرية
وفي إشارة لافتة أكد التيار المستقل خلال اجتماع لمكتبه السياسي برئاسة اللواء عصام أبو جمرة،   أن "الطبقة السياسية يغمرها الفساد وتكابر وتدافع عن آخر معاقل الصفقات والمكتسبات من الاموال التي "قنصتها حراما" على حساب المصلحة العامة، والتي قادت لبنان وشعبه الى شفير الافلاس، ها هي تنتج حكومة فئوية مستنسخة عن سابقاتها بالمضمون، مستخدمة طرقا وأساليب ملتوية بالانتماء المقنع بصفة الاختصاص، لتحاشي محاسبة المجرمين في حق هذا الشعب وتحقيق مطالبه الداعية لاسترداد المال العام المنهوب ومحاسبة سارقيه لاعطاء العبرة لوقف هدر المال العام في هذه الدولة".
وأكد البيان على دعم الثوار "بعدم الرضوخ لحملات السلطة الحاكمة بالترهيب والقمع للحؤول دون عرقلتهم جلسة الثقة لحكومة أعجز من تحقيق أي مطلب من مطالب الثورة"، مشيراً إلى أن "المجتمعين يدعون الطبقة الحاكمة لترك الحكم فورا لسلطة حكومة عسكرية انتقالية تجري انتخابات جديدة لتنتج سلطة جديدة تمثل الشعب فعلا وتحكمه تحت شعار "الشرف والتضحية والوفاء" منعا لسقوط الهيكل على رؤوس جميع 
من فيه".