التنمية الذاتية.. احدى وسائل بناء الشخصية لدى الطفل

الاثنين 17 شباط 2020 374

التنمية الذاتية..  احدى وسائل بناء الشخصية لدى الطفل

بغداد/  فجر محمد

يجمع استشاريو التنمية البشرية على ان الاعوام الاولى من عمر الطفل تعد هي الاساس لبناء الشخصية لاحقاً، وترى المختصة بهذا المجال نوار سالم ان دور الوالدين في المراحل الاولى لحياة الطفل يعد ركناً مهماً وضرورياً لمستقبله لاحقاً، لذلك لابد من زرع الثقة بالنفس كي يتخطى اي مشكلة قد تواجهه عندما يكبر، ولكن الكثير من الاباء يعجزون عن هذا الامر ما يجعل البيئة المحيطة بالصغير قادرة على احداث تغييرات كبيرة في شخصيته، ومع وجود الفوارق الفردية بين الاشخاص، لذلك لابد من التعامل مع هذا الامر بشكل صحيح بطريقة لا تؤثر في شخصية الطفل وثقته بنفسه.
جلست باسمة وليد ذات الاثني عشر عاماً بارتباك واضح على احد مقاعد عيادة طبيب الاسنان، اذ كانت تتحاشى النظر الى الاخرين وتغطي جانباً من وجهها بمنديل صغير، وتقول والدتها الاربعينية سهير فاضل بملامح يعتريها الخجل:"عانت ابنتي منذ السنوات الاولى من عمرها من بروز الفك العلوي بشكل واضح، وكثيراً ما كانت تسمع الملاحظات والانتقادات حتى وصل الامر بها الى رفضها الذهاب الى المدرسة لان زميلاتها كثيراً ما ينتقدن وجهها وشكلها ، وهذا سبب لها انزعاجاً واضحاً، لذلك توجهنا الى هذه العيادة في محاولة لايجاد حل لمشكلتها".
 
تجاوز الأزمات
الباحثة بالشؤون الاجتماعية والنفسية الدكتورة ندى العابدي تشير الى أن هناك الكثير من الاطفال يعملون على ايذاء اقرانهم وينتقدونهم بشكل مستمر ويتنمرون عليهم، ما يتسبب بايذائهم نفسياً بشكل كبير وغالباً ما يكون هؤلاء الصغارالمعتدون محبين للعنف والتعامل بقسوة نتيجة مرورهم بظروف قاسية وصعبة ولدت لديهم القناعة بان التصرف بعدوانية هو الوسيلة الافضل للعيش في هذا العالم، لذلك من الضروري زرع الثقة بنفوس الصغار الذين يتعرضون لأذى من زملائهم من خلال تنمية مهاراتهم وتشجيعهم على تجاوز الازمات التي قد تعترضهم في مقتبل حياتهم.
 
التنمية البشرية
تشير الدراسات والتقارير الى ان مفهوم التنمية البشرية بدأ يتضح عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وخروج البلدان التي شاركت في الحرب مصدومة من الدمار البشري والاقتصادي الهائل وخاصة الدول الخاسرة، لتبدأ تلك الدول رحلتها في التنمية الاقتصادية  وتطويرها الى جانب هذا المفهوم الجديد ومواكبتها له، اذ ان التنمية البشرية كانت عاملاً مهماً في سرعة الخروج من النفق المظلم والدمار الشامل الذي لحق بالبلاد بسبب الحروب، ومن هذا التاريخ بدأت الأمم المتحدة تنتهج سياسة جديدة تتناغم مع التنمية البشرية للدول الفقيرة لمساعدتها في الخروج من حالة الفقر التي عانت منها دول بنغلاديش وباكستان وغانا وكولومبيا وغيرها، مستغلة في ذلك خبرات البلاد التي أصبحت متقدمة لاتباعها هذا المنهاج وشمل المفهوم ايضاً مجالات عديدة منها الإدارية والسياسية و التعليمية  والثقافية، ويكون الإنسان هو القاسم المشترك في جميع المجالات
 السابقة.
 ولهذا فان التطور له مردود على عملية التنمية الفردية من حيث تطوير انماط المهارات والعمل الجماعي والمشاركة الفعالة للمواطن في هذه العملية بغرض الانتفاع بها، ولذلك اعتبر الكثير من المخططين وصانعي القرار هذا المفهوم الجديد ركيزة أساسية يعتمدون عليها لتهيئة الظروف الملائمة لاحداث التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتطور بالمجتمع على طريق الرخاء والرفاهية، وتجدر الاشارة الى ان التنمية البشرية لا تعتمد على الفرد وحسب بل هي من ضمن اختصاصات الجهات الحكومية والمختصة بشكل عام، اذ من الضروري ان تهتم كل مؤسسة او شركة بتنمية قدرات العاملين فيها سواء على المستوى الإداري او الوظيفي.
 
الانتقادات المستمرة
كانت تتمرن العشرينية ريام ايهاب بقوة واصرار وعزيمة بادية على تقاطيع وجهها، فهي تارة تحمل آلة {الدمبلص}، ثم  تنتقل بعدها الى جهاز المشي و كأنها تصارع شيئاً ما بداخلها، ففي السنوات الاخيرة، لاسيما في المرحلة الاولى الجامعية زاد وزنها بشكل ملحوظ، تروي العشرينية رسل ايهاب ما حدث لشقيقتها قائلة:
" فقدت شقيقتي ثقتها بنفسها بشكل واضح عندما التحقت بالجامعة، اذ كانت محط سخرية وتندر زملائها بسبب وزنها الزائد ما دفعها الى ترك مقاعد الدراسة والتحاقها باحدى القاعات الرياضية والتزامها الشديد، فهي مصرة على فقدان الوزن".
المدربة الرياضية رشا محمود تشير الى وجود الكثير من الحالات التي تلجأ الى القاعات الرياضية بهدف خسارة الوزن، لاسيما النساء اللاتي غالباً ما يتعرضن للانتقاد، لذلك فانهن يجدن في الرياضة متنفساً للتخلص من هذا الضغط النفسي والانتقادات المستمرة، كما ان الرياضة تعد بالنسبة للكثيرين امراً اساسياً ومكملاً للشخصية، بل هي غالباً ما تكون آلية متميزة لتجاوز العقبات والعثرات التي تواجه الانسان في حياته.
 
الاندماج الاجتماعي
لم تكن الابتسامة تفارق وجهها وهي طفلة صغيرة، فقد اتسمت بالبدانة بالمقارنة مع اخواتها الاصغر منها سنا، ولكن ما ان التحقت بصفها الدراسي واختلطت باقرانها بدأت تنزوي في غرفتها لوحدها وترفض الاندماج مع اسرتها، تروي العشرينية سناء كامل حكاية ابنة اختها الصغيرة ريم وتتابع:"كانت ريم في الايام الاولى تحب الالتحاق بمدرستها الابتدائية ، ثم ما لبثت أن ظهر كرهها الواضح للمدرسة اذ اخذت تبكي وتصرخ كل صباح، بل احياناً تتصنع المرض كي لا تضطر الى الالتحاق بدوامها، ثم اكتشفنا لاحقاً ان زملاءها يسخرون منها لبدانتها الواضحة وكثيراً ما يحاولون مضايقتها، ما دفعها وهي صغيرة الى رفض الحلويات المليئة بالنشويات والسكريات كي تخسر وزنها الزائد وتصبح شبيهة لاقرانها  باحجامهم  الصغيرة".
المحامي يونس المحمداوي يوضح ان هناك حالات كثيرة من الاعتداء تحصل بين الطلاب خصوصاً في المرحلة الابتدائية، وهنا يبرز دور المرشد التربوي والمختص النفسي الذي  غالباً ما يكون الحل الانجح في تقليل هذه الاعتداءات بين الطلبة، فضلاً عن دور الاهل والكادر التدريسي.
 
المرشد التربوي
الباحثة بالشؤون الاجتماعية والنفسية والاكاديمية الدكتورة ناز بدرخان السندي تلفت الى ضرورة الاهتمام بدور المرشد التربوي اكثر وبنائه علاقة ثقة مع الطلاب، لكي يشجعهم على مواجهة مشكلاتهم والتغلب عليها، خصوصاً ان فترة المراهقة تعد مرحلة حرجة جداً بمقدورها بناء شخصية قوية او ضعيفة للفرد.
 
تشجيع الاستقلالية
تشير الدراسات والبحوث الى ان هناك امكانية لمساعدة الطفل لتجاوز الاخفاقات الاولى في حياته، خصوصاً التنمر عليه من قبل اقرانه، وتبين احدى الدراسات المنشورة انّ الآباء الحريصين يستطيعون تطويع أسلوب تربيتهم حسب نوعية الطفل، فعلى سبيل المثال من يتصف بالحسّاسية المفرطة، لابدّ أن يتصرف الأبوان معه بطريقة رقيقة وفي الوقت نفسه يشجعان الاستقلالية  لديه، مع  التركيز على جوانب القوة في شخصيته واستثمار هذه الجوانب، كما يؤكد المختصون  ضرورة اتباع اسلوب التجاهل للسلوكيات السيئة للطفل كي يتخلص منها لاحقاً ثم التعامل معه بذكاء لينمي جوانبه الايجابية ومهاراته.