كــورونــا إزاء غــمــوض الــعــالــم

الثلاثاء 18 شباط 2020 147

كــورونــا إزاء غــمــوض الــعــالــم

علي حسن الفواز

قد يبدو أن مرض كورونا الصيني تجاوز توصيفه الفايروسي، ليصبح  وباء سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا، فالجميع يقاطع الصين، ولا يفتح معها حوارا عن الكارثة، ولا عن المصالح المشتركة، ولا عن التجارة والتكنولوجيا، ولا حتى عن المساعدات الطبية والعلمية، التي تتخذها الدول جسرا للتعبير عن المساندة  في الكوارث الإنسانية.

فهل باتت السياسة أكثر شراسة من العلم، وأقوى من الأخلاق؟ وهل غاب المغامرون الذين كنّا نشاهدهم في أفلام هوليود وهم يواجهون كوارث فيروسية كثيرة؟
ما هو الموقف الأميركي العلمي والطبي والسياسي والتجاري من الكارثة الصينية؟ 
وهل تحولت سياسة الإجلاء السريع للجاليات المقيمة في الصين إلى نوع من الخلاص، أو الاستعادة الاضطرارية؟ وما هو مصير "هون كونغ"  وسط هذا المشهد؟ وهل سيواصل متظاهروها احتجاجاتهم على الديمقراطية الصينية 
الماركسية؟
أحسب أنّ هذه الأسئلة تفتح الشهية للكلام الذي لا ينتهي، وللتعبير عن الدهشة التي يعامل بها العالمُ الصينَ، لا سيّما أنّ كارثتها الفايروسية قد تحولت إلى كارثة اقتصادية عالمية، 
فالصين، ذات المليار والنصف إنسان، تملك أكبر سوق استهلاكي في العالم، كما أن  تجارتها تعدّ الأكثر تأثيرا في العالم، مثلما هي الدولة الأولى في استيراد نفط دول الشرق الأوسط من دون النظر إلى طبيعة العقوبات الأميركية، وهو ما بدا واضحا على أسعار براميل النفط التي انخفضت 
كثيرا.
مدينة أوهان الصينية التي تحولت إلى بؤرة لعدوى فيروس كورنا، هي مدينة علمية معروفة، ومئات الطلاب، من كل أنحاء العالم يزورونها، أو يدرسون فيها، وهو ما جعل عملية إجلائهم، وبهذه الطريقة، أقرب إلى المغامرة، وربّما إلى التراجيديا، إذ امتنعت بعض الدول من إرسال طائراتهم للهبوط في مطارها، حدّ الامتناع عن إجلاء بعض العالقين في البحر الصيني، أو العائدين منها، فضلا عن إخضاعهم إلى نوع من الحجْر الصحي الكثيف 
والقاسي.
لا أريد أن أجتهد في البحث عن أسباب الانتشار السريع لهذا المرض، ومدى علاقته بالنظام الغذائي، أو بحيوانات معينة، ولا بالغموض الذي يُحيط ببعض التفاصيل التي تخصّ سرعة انتشار هذا الوباء الذي عدّته منظمة الصحة العالمية وباءً 
عالميا.
لكني أجد أنّ ترك الصين، رغم تراجع الاصابات، وبهذه الطريقة عملية تحتاج إلى مراجعة أخلاقية، حدّ أنّ بعضهم أخضعها لحسابات سياسية وآيديولوجية، والتلميح بأنّ هذا الترك والعزل هو عقاب أميركي للصين التي جاهرت بالعداوة التجارية، وحاولت استقطاب أصدقاء الولايات المتحدة لصالح أسواقها واستثماراتها.
الانتصار على وباء كورونا هو رهان كبير يخصّ الصين، البلد العملاق ديموغرافيا واقتصاديا، مثلما يخصّ العالم، كذلك، لأنّ مثل هذه الأوبئة السريعة الانتشار يمكن أن تجعل البشرية أكثر تهديدا، وأضعف في مواجهة تحديات بيئيّة وصحيّة قد تبرز فجأة مثل أمراض إيبولا في أفريقيا والضنك والإيدز وغيرها، لذا بات الأمر لا يحتمل حديث الرومانسية، ولا 
التشفّي.
ولا حتى الاجراءات الوقائية البسيطة التي اتبعتها بعض الدول، والتي دعت إليها المؤسسات الصحية في العالم أجمع، بقدر ما يدعو الأمر إلى اهتمام دولي، وإلى التنسيق مع الجهات الصينية، لاتخاذ إجراءات صحية مختبرية ووقائية على مستوى عال من الجدّة، وبما يُعزز الجهود الكبيرة التي وجدت الصين نفسها في معمعتها، ماليا وصحيا وأمنيا، لمواجهة تداعيات هذا المرض الوبائي المخيف والحدّ من انتشاره المخيف.