المواقف الصعبة تصنع الشخصية السوية

الأحد 23 شباط 2020 140

المواقف الصعبة تصنع الشخصية السوية
منى محمد زيارة 
 
 
 
رأيته باسماً ضاحكاً لا يتوقف عن الكلام الا نادراً هو حسام .م.ج احد اعضاء الكوادر الطبية المسعفة في التحرير، منذ عرفته وعمره لم يتعد الخمسة أعوام كان كتوماً وانطوائياً يختلف عن بقية أخوته وأطفال منطقته لا يكاد ينطق بكلمة او رأي الا بصعوبة بالغة ، حتى في تعامله مع ابويه وافراد اسرته
، حاولوا معه شتى الوسائل والطرق لدمجه في المجتمع ، أثر كل هذا في علاقاته بزملائه في المدرسة الابتدائية والثانوية ، تجاوز عمره العشرين واصبح طالباً في كلية الطب ، يقول والده عندما كان حسام في مراحل تعليمه الاولى، كنت دائم الذهاب الى مدرسته للسؤال عن مستواه وما ان ابدأ  بالسؤال حتى يبادرني أساتذته بالقول
،انه هادئ جداً بشكل لا يطاق، فرغم نجاحه وبدرجات تصل الى الكمال في جميع 
المواد.
 لكن مشاركاته الصفية والاجتماعية  تكاد تكون معدومة وهذا سيصيبه بالانطواء والتوحد مستقبلاً ، لكني لم أفقد الامل وبقيت احاول معه واعرضه على استشاري الطب النفسي باستمرار ، كنت الاحظ بعض التقدم لكن لم يكن ملحوظاً رغم تنبيه الطبيب النفسي الى ان التغيير قد يـُلاحظ في موقف واحد قد يتعرض له يتطلب منه التصرف بناء على ما زرعته انت من نصائح ومواعظ ومبادئ انسانية وما غرسناه نحن كأطباء في اللاوعي لكن عليك ان لا تتعجل فهنالك بعض الاشخاص يحتاجون الى وقت طويل للاندماج مع من حولهم وهذه ظاهرة أسرية واجتماعية ونفسية نادرة الحدوث في 
مجتمعاتنا  .
يكمل والده كلامه بالقول، مع حصوله على معدلٍ عالٍ في الثانوية العامة ، سألته عن الكلية التي يرغب بالدخول لها ، فقال كلية الطب ، انتابني القلق والتوتر والارق ، كيف سيتصرف ابني مع مجتمع مغاير اعتاد عليه ؟ هل سيتعرض للتنمر من 
زملائه ؟ هل سيفهم من حوله حالته النفسية وطبيعته الاجتماعية ؟ وهل وهل 
وهل ؟؟ اسئلة كثيرة تسللت الى عقلي وجعلتني لا اعرف للنوم طعماً ولأسابيع عديدة ، حتى أنني فكرت في لحظة يأس بمحاولة اقناعه بدخول احدى الكليات الانسانية لان طبيعة العلاقات الاجتماعية  قد تجبره على الاندماج عاجلاً او آجلاً بحكم الدراسة فيها وطبيعة الاساتذة هناك ، لأنني قلت مع نفسي انها لا تحتاج الى مجهود كبير في الدراسة حتى في حال تعرض للمضايقة او التنمر من زملائه قد لا يؤثر هذا كثيراً في دراسته بحكم سهولتها ، كليات سلسة والنجاح فيها يكاد يكون مضموناً ، على العكس من المجموعة الطبية التي تحتاج الى ذهنٍ مـُـتقد ومجهود مكثف ،فأي كلمة سلبية او موقف غير طريف يتعرض له سيضـّـيع عليه كل ما تعب من اجله ، عندها سأحصل على ابن مـُـدمر عاطفياً واجتماعياً ودراسياً ، لكن إصراره على دخول كلية الطب جعلني أرضخ لرغبته ، المهم عدّت المرحلة الاولى والثانية بصعوبة بالغة وكل هذا انعكس على نفسيته ما زاده انطواءً  وعزلة ، جاءت المرحلة الثالثة واصبح احد اعضاء الكوادر الطبية  المسعفة في التحرير، فتغيرت حالته ، ذهبت في احدى المرات خلسة دون علمه لأرى كيف سيتصرف ابني هناك لم أصدق عيني للوهلة الاولى ، قلت هذا ليس ابني ، أراه يعطي نصيحة طبية لاحد ما ويسعف هذا ويضمد ذاك ويتحدث مع زملائه المستغربين من تحوله المفاجئ ، اعتقد ان إحساسه ان هنالك من يحتاج لمساعدته زرع الثقة في نفسه وجعله يتعـّـرف على أناس جدد ويكّون علاقات اجتماعية مع مختلف الطبقات والعناوين  ، فلا يكاد يمر يوم الا وطرأ تحسن على حالته النفسية ، عندها تذكرت كلام المستشارين النفسيين وايقنت حقيقة ان يعى الاباء والامهات ان لا يستعجلوا اولادهم في اظهار ما زرعوه فيهم من مبادئ وأسس أسرية ، بعض الابناء قد تظهر عليهم ملامح التربية الاسرية ومنذ السنوات الاولى والبعض الاخر قد يتأخر كلٌ حسب تكوينه العقلي والنفسي فكل فرد في الاسرة يختلف عن الاخر لان كل شخص منهم له طريقة تربية ووسيلة مختلفة ، فعلى  الاب والام ان لا يطلبان المستحيل من اولادهما فما زرعوه قد يحصدونه في وقت مبكر واحياناً في وقت 
متأخر .
  ومازال الكلام لوالد حسام ،اعتقد ان كل شخص يحتاج الى وقت لتكوين شخصيته وهذا ما كنت أجهله رغم تعليمي العالي لكن النصائح المستمرة من قبل الاطباء وقراءاتي حول هذه الحالات جعلتني أتأنى في التعامل بقسوة او اجبار ابني على تغيير رغبته والتخلي عنها ، فكلنا نمر بظروف قاسية لكن ما ذنب اولادنا وخاصة المصابين بهكذا امراض فأيقنت ان الطريقة المثلى هي التعامل معهم بحكمة وصبر ، هي نصيحتي لكل الاسر لا تجبروا اولادكم بالضد من رغبتهم وقدراتهم ايماناً منكم أنكم الافضل والاكثر حكمة 
منهم .