الشعرُ بوصفه عقبةً معرفيَّة

الأحد 23 شباط 2020 994

الشعرُ بوصفه عقبةً معرفيَّة
د. محمد حسين الرفاعي
 
 
[I] 
متى، واِنطلاقاً من أيَّة معانٍ للشعر، وضمن أيَّة شروط موضوعيَّة، يُصبح عقبةً معرفيَّة في وجه قيام المعرفة العِلميَّة الحديثة؟ المعرفة العِلميَّة الحديثة بالمجتمع والإنسان، بعامَّةٍ، وبالثقافة، والاِقتصاد، والسياسة، بخاصَّةٍ؟ 
تتضمَّنُ العقبةُ المعرفيَّة الصيرورةَ المعرفيَّة والتاريخيَّة، التي من شأن المعرفة، في مجتمع بعينه. وهي من جهة كونها تقع في الطريق إلى المعرفة، هي تتحدَّدُ بالطريق إلى المعرفة. تستمد العقبات المعرفيَّة معناها، ومسوغ وجودها، من ضروب تحديد [المجتمعيِّ] لها. وهذا الأخير، من جهة كونه وحدة مفهومات الاِجتماع البشري، والعلاقات، والدوافع، والحقول الوجوديَّة- المجتمعيَّة المختلفة، والكُلِّيَّة (أي الكل المعقد الذي يختلف ماهويَّاً عمّا يدخل في تكوينه- وبنائه)، فهو (أي المجتمعيّ) يقع على رأس المحدِّدات المعرفيَّة في مجتمع بينه، على أصعدة أربعة على أقل تقدير: الآيديولوجيا المجتمعيَّة، والمؤسسة المجتمعيَّة، والفعاليَّة المجتمعيَّة، والفعل المجتمعيّ.  
[II]
إنَّ البِنى المجتمعيَّة الأساسيَّة الثلاث التي يتضمنها [المجتمعيُّ]، أي بِنيَة الثقافة، وبنية الاِقتصاد، وبنية السياسة، ووحدة العلاقات بينها، أي الآيديولوجيا المجتمعيَّة: الآيديولوجيا بوصفها رؤية كُلِّيَّة للعالم، والوجود، والمجتمع، والإنسان، إنَّما هي، ومكوناتها المختلفة، والعلاقات فيما بين هذي المُكَوِّنات، تنتج المعرفةَ في مجتمع بعينه. 
[III]
إنَّ التَّساؤلَ: لماذا تكون المعرفة الشائعة- والسائدة- والطاغية في مجتمع معين هي المعرفةُ الشعرية، من دون غيرها، لهو التَّساؤل الأكثر اِلحاحاً، حينما يتعلَّق الأمر بضرب من ضروب الشعر- والشاعرية يقع [على- الضِّدِّ- مِن-المعرفة]، وبنائها، وإعادة بنائها. 
[IV]
من أجل محاولة بناء إشكال، وإشكاليَّة حول ذلك، لا بُدَّ من أنْ نتوقف عند مستوى التَّساؤل الذي يقع قَبلَ التَّساؤل أعلاه. أي التَّساؤل الآتي: ما هي المصادر المعرفيَّة التي تجعل من معرفة بعينها هي المعرفة الشائعة في مجتمع ما؟ وبأيّة معانٍ يمكن أن نفهم تحديد البِنى المجتمعيَّة الأساسيَّة الثلاث لنمط تَكَوُّن، وبنية المعرفة؟ إنَّ المعرفةَ وظيفتها. أي إنَّ المعرفة تكون، وتصير، وتُبنى، وتُخلق، وتُصنع من أجل أنَّ لها وظيفةً مجتمعيَّة. فما هي الوظيفة المجتمعيَّة؟ وما هي المصادر التي تُحدِّد الوظائف المجتمعيَّة للمعرفة؟ 
[V]
 اِنطلاقاً من كوننا نتساءل، فإنَّ التَّساؤل يُحدَّدُ، في كُلِّ مَرَّةٍ، بالعودة إلى مصادر المعرفة المجتمعيَّة السائدة. ومن جهة أن لا يمكن للتساؤل أن يقوم إلاَّ بوصفه يذهب نحو بناء إشكال، وإشكاليَّة، حول ما هو سائد، فإنّه يصطدم، اصطداماً عنيفاً بتناقض أصليّ داخله. فمن جهة ضرورة بناء التَّساؤل حول الشائع- السائد- الطاغي من أشكال المعرفة، ومن جهةٍ أخرى إنَّ التَّساؤل ذاته يقع في هذا الشائع- السائد- الطاغي، باِعتباره محدَّداً من جهته. فكيف يمكن أن نحل هذا التناقض؟ 
[VI]
ليس ثَمَّةَ طريق سوى القفزة- الوثبة. القفز إلى الضفة التي تجعل من كل معرفة، في اللَّحظة البَعدِيَّة Posteriori، معرفةً تُعيد بناءَ ذاتِها. وذلك يأتي من ثُنائيَّة [النقد- والنقد المضاد]. بَيْدَ أنَّهُ لا بوصفه نقداً، ومن بَعدُ، ونقداً مضادَّاً، هكذا كيفما اتُّفِقَ. إنَّه يأتي إلى مستوى التخصيص، ومِنْ ثُمَّ التحديد المعرفيّ له، بواسطة مفهوم الواقع المجتمعيّ. إنَّ القفزة لهي تتمثَّل بالآتي: كل ضرب من ضروب إنتاج المعرفة، وكل عمليَّة من عمليات بنائها، إنَّما هما يستمدان ضرورة وجودهما من [الصراع- المعرفيّ- على- الواقع]، أي حول المضمون المجتمعيّ Societal Content الذي يخصُّ الواقع المجتمعيّ، والمنظور المجتمعيِّ Societal Perspective الذي من شأن فهمه. 
[VII]
إنَّ السلطة، في المجتمعات الدينية، اِنطلاقاً من الآيديولوجيا المجتمعيَّة، تعيد بناء الواقع، وتعيد تحديده، [في- كُلِّ- مَرَّةٍ]، من جهة حقلين آيديولوجيَّيْن اثنين: الدولة، والدين. حينما ينتقل الصراع المعرفيّ مع السلطة، حول المضمون المجتمعيّ للواقع، والمنظور المجتمعيّ الذي من شأنه إلى مستوى العنف، تنتقل المعرفة إلى خارج حقل النقاش العقلانيّ. وهكذا نكون أمام شيوع واِنتشار وطغيان ضرب من ضروب المعرفة يأخذ شكل الشعر. حينها، وحينها فقط، ينتقل الشعر من كونه إبداعاً وخلقاً وتجربة فذة لإعادة إنتاج المصادر الروحية للمجتمع، إلى كونه عقبة في وجه قيام المجتمع. فيترتب على ذلك الآتي: 
I- اختزال التثقيف والمُثاقفة، في المجتمع، من الخارج، والداخل، بالشعر، وقوله، وكتابته، وقراءته. 
II- غياب التخصص، والمتخصص بالمسائل المجتمعيَّة والإنسانية، واللجوء إلى المخلِّص: أي الشاعر. 
III- الخلط بين كل شيء، وكل شيء آخر، في اللُّغة الشعرية. فيصبح كل موضوع من الموضوعات المجتمعيَّة، والإنسانية، داخل الشعر، موضوعاً قابلاً للفهم، والتفكير به، والتساؤل عنه. بل تُصبح المعرفة الشعرية عنه، هي المعرفة.
IV- هذا بالضبط ما تريده السلطة الشمولية، في فرض وضع الحدود النظريَّة- والإجرائية لإنتاج المعرفة المجتمعيَّة، في كل مجتمع يتوفَّر على شروط موضوعيَّة لممارسة الاِستبداد المعرفيّ- والمجتمعيّ (وبالتالي السياسي).