لماذا اختفت الإذاعة من حياتنا؟

الأحد 23 شباط 2020 141

لماذا اختفت الإذاعة من حياتنا؟

ياسين النصير

لم يعد سبب اختفاء الإذاعة من حياة المواطن العراقي بسبب ظهور وسائل إعلام جديدة كالتلفزيون والموبايل ووسائط الاتصالات الحديثة، إنّما بسبب أن أحدا لا يصدق أن ما يقال صوتًا من دون توثيق الصورة، هو الحقيقة، فالتوثيق يستدعي وجود ثلاث حواس تشترك في صياغة ما تسمتع اليه: تسمع خبرا عمّا حدث،  ثم ترى ما يحدث، ثم تدرك معنى ومغزى ما حدث. الإذاعة يوم كانت تشدنا إليها، كنا نعطل حواسنا الأخرى، لنستلم القضايا من خلال صوت مذيع أو مسؤول، وعلينا أن نصدق ما يحدث، وإلّا فالطريقة التي شدتنا الإذاعة إليها طوال حياتنا تحمل أخطاءها.
ليس هذا فقط، ففي الجانب المهني لم تعد الإذاعة الطريقة الأكثر نجاعة مثلما كانت يومذاك، وهي تعرض لنا مسرحيات وأغاني المطربات، والاحتفالات السياسية، والألعاب الرياضة، والندوات الثقافية، ولم يقف الأمر في حضورها هذه الميادين الفاعلة في حياتنا اليومية فقط، بل كانت أيضا نافذة على بلدان العالم، وعلى تطوراتها وحروبها ونجاحها وهزائمها، كما كانت مسؤولة مسؤولية كاملة عن تثقيف المستمع. وأذكر أنني استمعت إلى مسرحيات شكسبير بالعربية من إذاعة لندن بمناسبة ذكرى ميلاد شكسبير الأربعمئة، وكنا نحتفل بليالي أم كلثوم، ونستمع لحركات الشعوب التحررية، وقد تخرّج عدد كبير من معدي البرامج الثقافية من بين مكرفون الإذاعة. وفي العراق شكلت الإذاعة مصدرًا مهما لاطلاع الناس على ما يحدث في العالم، حتى أن أي تغيير كان يتصدر نشرات الأخبار بمقدمة موسيقية أصبحت كالنشيد الوطني الملازم لاطلالة الإذاعة، ومن عاش فترة حروب السويس والجزائر وفلسطين، يجد أن الإذاعة جزء من بناء الهوية الوطنية والقومية، إضافة إلى مدرستها اللغوية، ولسانها التقني، ومعلوماتها الدقيقة، ومسؤوليتها عمّا سيحدث لو كان نقلها للأخبار غير دقيق، ليس هذا فقط، بل كانت المواقف الوطنية والإنسانية تحددها نشرات الأخبار، فما يحدث في العالم يصلنا بهويات تحليلة مختلفة، فنبني تصورنا ومواقفنا على ما سيكون عليه الأمر في الغد.
اذكر برامج الاطفال، وطريقة تنويرها عبر أعمال فنية أصبحت أساسا لثقافة الأطفال لاحقا. لا يقدم الراديو، بالمقارنة مع المسرح، منصة عرض تقنية أكثر تطورا حسب، بل منصة تظهر من خلالها التكنولوجيا بأوضح صورها، وتفوق أعداد جماهيره جماهير المسرح بكثير، والأهم من ذلك، هو أن الراديو على صلة أعمق بالجماهير على مختلف مستوياتهم، إذ يكون دور الإذاعة مختصا بصقل مواهب شابة، فهذه البرامج وسيلة اتصال جديدة، مرافقة مع عرض التمثيليات التي هي بمثابة مسرح صوتي، فالإذاعة كانت صوتا تقنيا يتوافق مع منطقها الإعلامي والتثقيفي، ولذلك انخرط فيها عدد كبير من المثقفين؛ معدو برامج وهواة أغانٍ وتمثيل، فالأعمال التي تصلنا عبر الأثير كانت بمثابة الصلة الاجتماعية التي تجعل مجموعة من الأداوت طريقة للتواصل بين الفئات الإجتماعية.
التواصل، الترفيه، تثقيف المجتمع، تمرينات على الإبداع، تسيس المعلومة، شيوع المحادثة، الارتباط بالمحليات، العلاقة مع الفنون الأخرى، تجديد الأغاني، تقديم المطربين، تجديد البرامج، ضبط الوقت، ظهور معدين ومنفذين، وجود ثقافة مؤسساتية، تزايد عدد المستمعين، اعتبار الأخبار وثيقة تاريخية، اختصار العلاقة مع مراكز القرار، هذه وغيرها كانت من منجزات الراديو.
قبل سنوات عقدت اذاعة باريس الثالثة، سلسلة من اللقاءات مع مفكرين وفلاسفة، وحدد موضوعا معاصرا تشتغل عليه كل مديات المعرفة في الحياة والصحافة والجامعة، هو المكان والزمان، فكانت حصيلة التجربة حوارات مع عشرين مفكرا وفيلسوفا وهم يتحدثون عن الزمان والمكان في ميادين اشتغال العلم والمعرفة والثقافة، والحصيلة انتاج مصدر معرفي يعد من أهم مصادر هذه الحقول. هل يتذكر أحدنا برنامجا للإذاعة بقي في الذاكرة؟ نعم ثمة ما بقي ولكنه ليس 
بالأهمية.