الفردانية والمجتمع.. لمن الغلبة؟

الأربعاء 11 آذار 2020 342

الفردانية والمجتمع..  لمن الغلبة؟
عدنان أبوزيد
 

تقول مارجريت تاتشر: لا وجود للمجتمع. وعلى النقيض تماماً من هذه الرؤية، يتشبث الأفراد في البلدان العربية، بالانتماءات العشائرية والمناطقية، ومفهوم «الزمرة»، التي تفرضها أنماط علاقات القرابة، كموقف أخلاقي، وشعور يوجبه الانتساب، والرغبة في الإحساس بالقوة. فمن هو على حق؟.
يدفع الشعور بالانتماء الجمعي المواطن في البلدان العربية، ومنها العراق، الى التوهّم بان الفردانية ما هي الا من منتجات، الأمركة أو التغريب، التي تهمّش الجماعات والتقاليد والنظم العقائدية.
الإيديولوجيات الموروثة، غرست النظريات التي تعرّف الاستقلالية الكاملة للفرد بانها تصرّف سلبي، يؤدي الى الضعف، وينمّي الذاتية التي تجعل من الجدوى الشخصية، أرفع شأنا من المنفعة الوطنية.
يبدو الطرح مقنعا، لأول وهلة، إذا ما تجاهلنا ما حققته الفردية او الفردانية Individualism من استكمالات أخلاقية، ومادية واجتماعية وإيديولوجية في العالم المتقدم الذي يقدس القيمة الاعتبارية للفردية.
لنأخذ الأمثولات على ذلك، إبرازا للصورة.
يفكّك السلوك الفرداني، في المؤسسات الحكومية، علاقات المصالح القائمة على الحزبية والقربى والأسرية، والصداقات، فلن تجد موظفا في الغرب، يحابي الصديق، او القريب، او ابن العشيرة، لان الأواصر المجتمعية لا تقوم على قواعد الموالاة والمناصرة.
لا يفوز شخص ما بوظيفة، بسبب الرابطة والمحسوبية، لان الفردانية تتفوق على ميول الإحساس بالجماعية المرتبطة بالشلة أو القبيلة، ففي مكان العمل في اليابان، كانت القيم الفردية مقترنة سلبًا بعدد الأصدقاء المقربين، لكن الانقلاب الثقافي نحو إنعاش الفردية وعزل العمل عن املاءات الرهط، أتاح التطور والرفاه.
تكاد تنعدم التراكمات العاطفية التي تنسجها العلاقات الجمعية، في احتفالات الأعراس الفوضوية، والمناسبات الاجتماعية التي تتفوق فيها الأعداد من البشر، على الفعل النوعي الإيجابي.
تتبدّد العصبيات التي تسلسل المجتمعات على قواعد أسرية ومكانية وعشائرية.
الفرد يشعر بانه ينتمي الى موضع العمل، من مؤسسة ومدرسة، ومعمل، فيصبح زملاء العمل والوظيفة، المجتمع البديل لمعشر القبيلة والأسرة، الأمر الذي يعزّز الوشائج القائمة على المهنية، والاحترافية، فقط.
تتلاشى الألقاب الاجتماعية التي تميّز بين الأفراد على أسس واهية مستمدة من خلفيات اجتماعية طارئة، وغير صحيّة فتسود المسميات الاكاديمية، والوظيفية على غيرها.
تنهار محاور النفوذ الاجتماعية القائمة على معادلة الضعف والقوة، والثراء والفقر، لصالح مؤسسات الدولة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والمالية.
أصبحت الشعوب الفردانية أكثر قدرة على التجاوب مع تحديات العولمة التي تتيح تحرر الثقافات، وانفتاحها على بعضها البعض، من خلال التجارة والهجرة، وتبادل المعلومات والأفكار.
أمام هذه القدوات، تتداعى المفاهيم التي ترسم الفردانية في مشهد من انهيار العلاقات الاجتماعية والأسرية في الثقافات الأميركية الأوروبية، حيث الأخ لا يعرف اخاه، والابن لا يرعى والده المسن، والبنت تتنكر لأمها، فكل هذه الأخيلة، هي خرافات لا أساس لها أمام حقيقة حيازة الفرد على استقلالية إيجابية، تجعله في منأى عن وشائج تابعية سلبية، تؤثر في ادائه في مكان عمله وفي حياته اليومية.
أكثر من ذلك، يمكن القول، ان البصيرة الفردانية، تقود الى إيجابية توقير الدولة والجماعة، لا الانصياع بشكل أعمى لأعراف وتقاليد.
بل ان المجتمعات الفردانية، على عكس المُتصَوّر، أكثر قدرة على استيعاب الازمات، والوحدة في أوقات الخطر والدفاع عن الوطن، من المجتمعات التي تتشبث بمشترطات الجماعات على اشكالها المختلفة، من عشائرية وأسرية وحزبية وطائفية ومناطقية.
الجاليات الفردانية في الغرب، أكثر قدرة على تنظيم نفسها على شكل شركات كبرى من أسهم الافراد المالية، ورؤوس الأموال، والخبرات، على شكل مؤسسات عملاقة، ومشاريع واسعة تؤمّن للمواطنين، التوظيف والارباح، وتحقيق
 الذات.
وبالقدر الذي يؤسّس فيه الافراد في مجتمعات العالم الثالث لكانتونات مجتمعية غير منتجة، فان أفراد المجتمعات الغربية، يؤسّسون لتجمعات تستند إلى أسس ثقافية ومشاريع ربحية، وأعمال خيرية، تقود الى مستوى عال من الرغادة.
لا أحد ينكر، تفوق الثقافة الفردانية، الأميركية الأوروبية التي اصبحت من أقوى الثقافات في العالم بسبب القوة السياسية والاقتصادية، التي تواصل تصدير المنتجات والتقنيات والأنظمة الاقتصادية، وليس فقط، القيم والأفكار والمعتقدات، ما يدفع الى التفكير في الأسس التي يرتكز عليها، هذا
 التفوق.