أمراض مواقع التواصل الرقمي تنتقل الى مجاميع التراسل

الجمعة 28 كانون أول 2018 205

أمراض مواقع التواصل الرقمي تنتقل الى مجاميع التراسل
عدنان أبوزيد
 
الاستنتاج الذي تفرضه المتابعة، ان الكثير من العراقيين باتوا يفضّلون متابعة الأخبار عبر وسائل التراسل الفوري مثل "واتساب" و"فايبر" و"تلغرام" على استئنافها عبر وسائل الاعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، لينسجم ذلك مع ما توصلت اليه دراسة في حزيران 2007 أجراها معهد Digital News Report بالتعاون مع جامعة أكسفورد، تفيد بأن مستخدمي شبكة "فيسبوك" يفضّلون تطبيق "واتس آب" للتراسل الفوري في الاطلاع على الأخبار.
ووفقا للدراسة التي شملت أكثر من 71805 من المشتركين من 36 دولة مختلفة، فإن "واتس آب" أصبح بالنسبة لهم وسيلة لمتابعة آخر الأخبار كونه أكثر مصداقية في الوقت الراهن.
وفي بلد مثل ماليزيا، ارتفع عدد متابعي الاخبار عبر "واتس آب" إلى نحو 51%، بينما لا تتجاوز نسب المعتمدين عليه في الولايات المتحدة حوالي الـ 3%، فيما يبدو العراقيون، على خطى الشعوب التي تفضل متابعة الاخبار عبر وسائل التراسل ومجاميعه، التي زادت اعدادها في الفترة الأخيرة بشكل 
ملحوظ.
أحد أسباب ذلك، بحسب خبراء اتصالات، هو انتشار الهاتف النقال في العراق، المفضّل لدى الغالبية في تصفح الشبكة العنكبوتية، اكثر من الحاسوب. فضلا عن ذلك، فانّ أسبابا أخرى، تتعلق بالوقت، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، التي تؤثر في خيارات الافراد، إضافة الى الأسباب التقنية، التي تلهب الحماسة في التراسل الشبكي عبر المجاميع التي يتألف أفرادها عبر تمرير ارقام التلفونات لإدارة المجموعة، التي تأخذ على عاتقها تنظيم التراسل بعملية سهلة، لا تكلف جهدا 
كثيرا.
 
تجربة من الواقع
يلاحظ القاضي السابق والخبير القانوني طارق حرب في حديثه لـ "الصباح" ان "العراقيين لايزالون يقبلون على "فيس بوك"، على الرغم من التحول في الاستخدام الى الانواع الجديدة من التواصل الالكتروني".
يقول حرب: "لأنيّ صاحب هوى قانوني، لا أميل في العادة الى التغيير بدليل ان هاتفي من أحدث أنواع الهواتف، لكني لا أميل الى استخدام السبل الإلكترونية الجديدة لا سيما وأني غير ملزم بالتغيير، وما زلت بعيدا عن "واتس آب وفايبر"، بل اني أتضايق من الولوج الى هذه السبل، في حين اسارع الى مراجعة "فيس بوك" المهيمن على خياراتي، لكني اعترف انه بدأ يتهافت لصالح الوسائل الحديثة وربما نجد انفسنا يوما ما ملزمين بتوديعه لصالح الوسائل الجديدة".
 
المجاميع المؤدلجة
يتحدث المحلل السياسي واثق الجابري الذي يستخدم آليات التراسل الفوري لنشر آرائه، وتحليلاته، لـ"الصباح"، عن ان "تطبيقات الموبايل و مواقع التواصل، أصبحت الشغل الشاغل لمختلف شرائح المجتمع وتوسّعت في مجمل الممارسات الحياتية".
ويكشف الجابري في ما يتعلق بالعراقيين ان "كل شريحة في المجتمع تنظّم نفسها وتتواصل عبر مجاميع تراسل في هذه التطبيقات، وهذا بحد ذاته يدل على تطور نوعي".
يشير الجابري الى المجاميع المؤدلجة الساعية لتمرير الأفكار، فيقول "تداخل مع هذا التطور في الاتصال، استخدام التقنيات لتمويه الرأي العام وتشويه الواقع ومنها استهداف شخصيات سياسية واجتماعية بذاتها او النيل من العملية السياسية برمتها، وتغليب الفكر المتشائم والسلبي تجاه الدولة، وبسبب ذلك انجرفت الساحة الإعلامية والسياسية تحت تأثير معلومات غير دقيقة الى أهداف 
سلبية".
 
 
استخدام سلبي
يرى الكاتب جمال جصاني في حديثه لـ"الصباح" ان "العراقيين يسيؤون مرة أخرى استثمار وسائل التواصل الحديثة مثلما ضيعوا فرصة التحول إلى النظام الديمقراطي".
يقول جصاني: "كذلك هو حالهم في التعاطي مع صدمة الانفتاح على ما اغتربوا وانقطعوا عنه من زحزحات وثورات علمية وقيمية وبنحو خاص في مجال التواصل وتقنية الاتصالات و منصات التواصل الالكتروني وكما في المثل المعروف (الإناء ينضح ما فيه) فقد تحولت تلك الفتوحات العلمية إلى مرتع لأكثر الأفكار والعقائد تخلفا وبعدا عن قيم الحداثة والتعددية والفكر الرصين وغالبا ما نجد لقوى التشرذم والضحالة نفوذا غير محدود 
فيها".
لهذه الأسباب، وفق الجصاني، "خسرت هذه المواقع - لصالح مجاميع التواصل -الكثير من مصداقيتها بمعايير المعرفة والمعلومة الرصينة غير أن ذلك لم يحد من تأثيرها في الساحتين السياسية والإعلامية لما يوجد بينهما من تناغم في الذائقة والغايات وسطحية 
الخطاب".
 
مرض مزمن
ويروي الكاتب والخبير النفطي محمد زكي ابراهيـم من وحي تجربته الشخصية لـ "الصباح" كيف ان "زملاء سابقين في وزارة النفط يبعثون له كل يوم عشرات الرسائل والصور والفيديوهات على "واتساب"، بعد أن أسسوا لأنفسهم مجموعة نفطية خاصة، من قدامى العاملين في هذا القطاع".
يستطرد إبراهيم: "بعض هذه الرسائل ذو نفع، لأنه يحوي أخباراً وتحليلات سياسية وبحوثاً في الشأن الاقتصادي، وخصوصاً تلك التي تهم صناعة النفط والغاز، إلا أن البعض الآخر يهتم بالنصائح والمواعظ".
يرى إبراهيم ان "مرض "الفيس بوك" المزمن، وهو تداول القصص الملفقة سرعان ما تسلل إلى "الواتساب"، فالقدرة على تمييز الغث من السمين، والصحيح من السقيم، لا تتيسر للجميع، والإشاعة المحبوكة حبكاً جيداً تصبح بمرور الوقت حقيقة لا شائبة فيها، رغم ما في ذلك من تبعات سيئة على المجتمع 
والدولة".
لا يرى إبراهيم "فرقاً شاسعاً بين "واتساب" أو "فايبر"، وبين" فيس بوك" أو "تويتر"، فالجميع يسعى لإيصال معلومة ما إلى المشترك، لكن عدد مشتركي الموقعين الأوّليْن لا يمكن بأي حال أن يصل إلى عدد مشتركي الموقعين الأخيريْن، وستبقى هذه الميزة قائمة حتى يحدث تغيير ما، وقد اعتدنا في هذا العصر على المفاجآت والمتغيرات 
السريعة".
الكاتب حيدر الياسري المقيم في الولايات المتحدة، يشير لـ"الصباح" الى ان "الامر يحدث ذاته في الدولة التي يقيم فيها فيقول، ان "تطبيقات "فايبر" و"واتس اب"، وغيرها تأخذ منحى تصاعديا وانعكس هذا التنافس على المستخدمين لتلك الوسائل من خلال البحث عن الأفضل، وخلص اغلبهم للبحث عن الأمان في تلك التطبيقات خاصة بعد تسريب "فيس بوك" وتويتر لمئات الآلاف من البيانات الشخصية للمستخدمين ما أدى بهم للتوجه الى "واتس اب" و "فايبر" وغيرها من التطبيقات الأكثر
 أمانا".
ويرى الياسري فرقا في الاستخدام بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث مثل العراق، فيقول ان "استخدام التطبيقات للهو والدردشة واضاعة الوقت وبث الإشاعات والاكاذيب يندر في العالم المتقدم لأسباب اجتماعية فضلا عن وسائل الأمان والرقابة الرقمية الصارمة، ما يجعلها أكثر مصداقية كما ان وسائل التواصل في الساحة العربية والعراقية تتجه الى التوظيف السياسي، أكثر من كونها وسيلة لنشر الوعي والثقافة والمعارف".
ولا يبدو هذه الامر غائبا عن مواقع التواصل الاجتماعي بعدما ادركت الشركات تزايد أهمية التراسل الفوري، الأمر الذي دفع  فيسبوك الى دعم واتساب ليكون  تطبيق التراسل الأشهر عالميا، بتعزيزه بالمميزات الجديدة التي جعلته يتغلب على الكثير من التطبيقات المنافسة، حيث يمتلك التطبيق الآن أكثر من مليار شخص في جميع أنحاء العالم يستخدمونه بشكل يومي للتواصل عبر النص والصور 
والفيديوهات.