بكين تشتري وسائل إعلام وتدرِّب صحافيين أجانب

الأحد 30 كانون أول 2018 202

بكين تشتري وسائل إعلام وتدرِّب صحافيين أجانب
لويزا ليم وجوليا بيرغن
ترجمة: خالد قاسم
أثناء تدقيقهم السير الذاتية، واجه الفريق المكلف بتعيين موظفين لمكتب لندن الجديد للتلفزيون الرسمي الصيني مشكلة يحسدون عليها، وهي العدد الكبير جداً من المرشحين. قدّم نحو ستة آلاف شخص طلبات للحصول على 90 وظيفة فقط "لإعداد الأخبار وفق المنظور الصيني". ويتطلب مجرد قراءة هذا الكدس من الطلبات شهرين تقريباً.
يرى صحافيون غربيون، هبطت معنوياتهم بسبب خفض النفقات، فرصة شبكة التلفزيون العالمية الصينية إمكانية جذابة، وتعرض رواتب تنافسية للعمل ضمن ستوديوهات حديثة جداً مصممة خصيصاً لهذا الغرض في منطقة تشزويك غرب لندن. جرى تغيير الاسم التجاري لشبكة "سي جي تي إن" عام 2016 وهي الذراع الدولية للتلفزيون المركزي الصيني "سي سي تي في"، وتعدُّ العنصر الأبرز للتوسع الإعلامي الصيني السريع عبر العالم، وهدفه حسب وصف الرئيس تشي جينبينغ: "سرد قصة الصين جيداً".
اتسمت سياسة الصين في صياغة صورتها بأسلوب الدفاع ورد الفعل واستهداف الجمهور المحلي منذ عشرات السنين. المظهر الأكثر وضوحاً لتلك الجهود هو الاختفاء الحرفي للمحتوى داخل الصين: مجلات أجنبية ذات صفحات مقتطعة أو تعتيم الشاشة عندما نقلت هيئة بي بي سي أخباراً عن قضايا حساسة مثل التبت وتايوان أو قتل متظاهري تيانمين 1989 وسط بكين. اقتصرت الأدوات البسيطة للصين آنذاك على الرقابة المحلية وشكاوى رسمية ضد وسائل الإعلام وطرد مراسلين من أراضيها.
 
مخاطبة الخارج
لكنَّ الدولة اتبعت ستراتيجية أكثر تطوراً وحسماً منذ عشر سنوات تقريباً، واستهدفت الجمهور الأجنبي. تحاول بكين إعادة صياغة بيئة المعلومات العالميَّة عبر عمليات ضخ هائلة للأموال؛ وتمويل مقالات دعائيَّة مدفوعة الثمن ورعاية تغطية صحفيَّة ورسائل إيجابيَّة مزيَّفة من المؤيدين. بينما تتعرض الصحافة لرقابة مشددة داخل الصين، لكن بكين سعت خارجياً الى استغلال نقاط ضعف حرية الصحافة لصالحها.
تتضمن هذه السياسة بأبسط أشكالها دفع أموال مقابل ملاحق دعائية صينية تظهر بعشرات الصحف الدولية المحترمة مثل واشنطن بوست، وقد تأخذ أشكالاً أكثر خبثاً مثل زرع محتوى من محطة الإذاعة الرسمية "راديو الصين الدولي" في موجات الأثير لمحطات مستقلة ظاهرياً عبر العالم من أستراليا الى تركيا.
في الوقت نفسه، تمول مؤسسات مدعومة صينياً جماعات ضغط داخل أميركا وتستغل هذه بدورها مؤيدين بارزين معروفين باسم "ناطقو الطرف الثالث" لنشر رسائل بكين، والتأثير في تصورات الجمهور تجاه الحكم الصيني في التبت. تكسب الصين أيضاً ود الصحافيين من مختلف مناطق العالم بجولات سياحية مدفوعة الثمن وشهادات عليا مجانية في التواصل ودورات تدريبية للمراسلين الأجانب سنوياً "لسرد قصة الصين جيدا."
منذ العام 2003، عندما أجريت تنقيحات على وثيقة رسمية تحدد الأهداف السياسية لجيش التحرير الشعبي وسميت "الحرب الإعلاميَّة"، وتمثل جزءاً صريحاً من ستراتيجية بكين العسكرية. الهدف منها هو التأثير في الرأي العام خارجياً من أجل لفت انتباه الحكومات الأجنبية حتى تطبق سياسات تناسب الحزب الشيوعي الصيني.
يتضمن ذلك أحياناً الرقابة التقليديَّة، من خلال: تخويف أصحاب الآراء المعارضة وتعقب المنصات الناقلة لها أو ببساطة امتلاك تلك الوسائط. زادت بكين أيضاً سيطرتها على البنى التحتية الرقمية العالمية عبر شركاتها الخاصة، المهيمنة على التحول من تلفزيون البث الأرضي الى الرقمي في أجزاء من أفريقيا، وأطلقت أقماراً صناعية تلفزيونية وشيدت شبكات من كابلات الألياف البصرية ومراكز البيانات، أي طريق حرير رقمي، لنقل المعلومات حول العالم. تزيد بكين بواسطة هذه الطريقة من سيطرتها على وسائل الإرسال إضافة الى منتجي الأخبار ووسائل الانتاج.
وعلى الرغم من استهجان الهجوم الدعائي الصيني باعتباره أخرق ومملاً، لكن تحقيق الصحيفة الذي استمر خمسة أشهر يؤكد الطبيعة التفصيلية والحجم الطموح لحملتها العدوانية بهدف إعادة رسم نظام المعلومات العالمي. هذه ليست مجرد معركة على النقرات، لكنها وفوق كل شيء صراع آيديولوجي وسياسي حيث الصين مصممة على زيادة "سلطتها الحوارية" لمواجهة ما تراها عشرات السنين من الامبريالية الإعلامية الغربية من دون منازع.
 
أحادية الآراء
في الوقت نفسه، تسعى بكين أيضا لتحويل مركز الثقل العالمي باتجاه الشرق، ونشر فكرة النظام العالمي الجديد، حيث تحتل الصين قلبه. من المؤكد أن حملات النفوذ ليست بالأمر الجديد؛ جذبت أميركا وبريطانيا ودول أخرى صحافيين بقوة، وعرضت حوافز مثل رحلات مجانية وحرية الوصول الى كبار المسؤولين. لكن على العكس من تلك الدول، فإنَّ الحزب الشيوعي الصيني لا يقبل تعددية الآراء، وبدلاً من ذلك يرى قادة الدولة الإعلام بوصفه أنه "العيون والآذان واللسان والحنجرة" للحزب الشيوعي، وتعتمد فكرة الصحافة لديهم على انضباط سردي يمنع كل شيء باستثناء رواية الحزب للأحداث. أصبحت وسائل الإعلام بالنسبة للصين ساحة قتال تشن عليها هذه "الحرب العالمية للمعلومات" وسلاحاً هجومياً.
لا يزال الصحافي الاستقصائي النيجيري دايو أيتان يتذكر المكالمة الهاتفية التي تلقاها قبل سنوات قليلة بعد افتتاح التلفزيون الرسمي الصيني مكتبه الأفريقي في كينيا أواسط العام 2012. أسس أيتان مركزاً رائداً للصحافة الاستقصائية النيجيرية، وفضح رجال أعمال صينيين قطعوا أشجار غابات بشكل غير قانوني في بلاده، وقدّم المتصل عرضاً مغرياً: خذ وظيفة ضمن المكتب الجديد للتلفزيون الصيني وستكسب ضعف راتبك الحالي على الأقل، لكن أيتان رفض العرض بسبب مشروع مركزه الجديد. كانت أفريقيا نقطة اختبار عندما اختيرت موقعا لأول توسع إعلامي صيني دولي. تكثفت تلك الجهود بعد أولمبياد 2008 عندما شعر قادة البلاد بخيبة أمل بسبب تيار التقارير الناقدة لهم، وخصوصاً التغطية الدولية لحقوق الإنسان والمظاهرات المؤيدة للتبت التي رافقت جولة الشعلة الأولمبية حول العالم. وبحلول العام التالي أعلنت الدولة إنفاق سبعة مليارات دولار تقريباً لتعزيز وجودها الإعلامي العالمي، واستهلت ذلك بمكتبها الأفريقي وسرعان ما حاول توظيف شخصيات مرموقة مثل أيتان. وعد التلفزيون الصيني الصحافيين المحليين برواتب مجزية وفرصة "سرد قصة أفريقيا" للجمهور العالمي، بدون الخضوع للروايات الغربية. تشكك فيفيان مارش، أستاذة بجامعة ويستمنستر ودرست تغطية التلفزيون الصيني الأفريقية، بادعاءات بكين فعند تحليل تغطية ذلك التلفزيون لتفشي وباء ايبولا خلال العام 2014 في غرب أفريقيا، وجدت مارش أن 17 بالمئة من القصص عن ايبولا ذكرت الصين، وركزت على دورها في توفير الأطباء والمساعدة الطبية.
 
أهمية أفريقيا
وسعت شبكة (سي جي تي ان)، انتشارها الأفريقي طيلة السنوات الست الماضية، وعرضت على الشاشات في أروقة مقر الاتحاد الأفريقي بمدينة أديس أبابا، وترسل مجاناً الى آلاف القرى بعدة دول أفريقية مثل رواندا وغانا، وذلك هدية من "ستار تايمز" الشركة الإعلاميَّة الصينية ذات علاقات قوية مع الحكومة. تشمل أرخص باقات ستار تايمز قنوات صينية وأفريقية معاً، بينما تتطلب مشاهدة قنوات (بي بي سي) أو الجزيرة تكاليف أعلى وهو ما يفوق إمكانية معظم المشاهدين. يتلخص تأثير هذه القنوات عبر تلك الوسائل بتوسيع وصول الحملات الدعائية الصينية الى الجمهور، والذي تدعي تلك القنوات أنه يبلغ عشرة ملايين من مجموع 24 مليون أفريقي مشترك بقنوات مدفوعة الثمن. مع أن محللين يصفون هذا الرقم بالمبالغ فيه، لكن شبكات أخرى تشعر بالقلق من هيمنة ستار تايمز على بعض أسواق الاعلام الأفريقية واكتساحها شركات محلية.
يمثل العمل للإعلام الحكومي الصيني مكافأة سخيَّة وفرصاً جديدة بالنسبة للصحافيين غير الصينيين في أفريقيا وغيرها. عندما أطلق تلفزيون الصين مقره من واشنطن في العام 2012 انضم اليه خمسة من مراسلي (بي بي سي) السابقين والحاليين ضمن مكاتب أميركا اللاتينية. أحدهم، دانييل شوايملر، يعمل حاليا مع قناة الجزيرة، ويقول إنَّ تجربته هناك كانت مسلية وخالية نسبياً من المشاكل، لكنه لا يعتقد أن كثيرين شاهدوا قصصه.
لكنَّ الصحافيين الأجانب لدى وكالة الأنباء الرسمية "شينخوا" يرون قصصهم تصل جمهوراً كبيراً. تغطي إعانات الحكومة 40 بالمئة من نفقات شينخوا، وتدر دخلاً مثل وكالات أخرى على غرار أسوشيتد برس، عبر بيع القصص الى صحف حول العالم.
تأسست وكالة شينخوا في العام 1931، أي قبل تولي الحزب الشيوعي السلطة هناك، ونظراً لعملها ناطقا بلسان الحزب فمقالاتها المثقلة بالمصطلحات تستغل لنقل أوامر جديدة وتفسير التحولات بسياسة الحزب. وتخصص أعمدة واسعة كثيرة للخطابات المملة والتحركات اليومية للرئيس تشي جينبينغ، سواء التقى رئيس توغو أو تفحص خضراوات كبيرة الحجم أو تبادل الحديث مع عمال في مصنع لإنتاج الدمى. شعر موظفون أجانب سابقون من مؤسسات إعلاميَّة حكومية صينية أنَّ الغالبية العظمى من عملهم ارتبط بإرسال إشارات محلية أو يبرقون رسائل أظهرت الولاء لخط الحزب من أجل كسب ود كبار المسؤولين. لكن شينخوا بدأت منذ العام 2014 بالبحث خارجياً؛ إحدى علامات ذلك وجود حسابها على تويتر وعدد متابعيه يقترب من 12 مليون شخص، مع أن تويتر محظور داخل الصين. الرقابة الصريحة غير ضرورية عموما في وسائل الاعلام الحكومية الصينية، طالما أن معظم الصحافيين سرعان ما يكسبون شعوراً بأي القصص تعدُّ مناسبة وما هو نوع التغييرات المطلوب. عندما زار الدالاي لاما كندا عام 2012، وضع صحافي من وكالة شينخوا ضمن مكتب أوتاوا في موقف محرج، فعندما حل يوم الزيارة تلقى "مارك بوري" أمراً باستخدام هويته الصحافية البرلمانية لحضور مؤتمر الدالاي لاما الصحفي، واكتشاف ما حدث خلال لقاء خلف الأبواب المغلقة مع رئيس الوزراء الكندي آنذاك ستيفن هاربر. لكن بوري عاد الى مكتبه وقدم استقالته، بسبب شعوره أن عمله يشبه الجواسيس.
 
عمل استخباراتي
تجربة بوري ليست استثنائيَّة، إذ ذكرت ثلاثة مصادر عملت لدى الإعلام الصيني أنهم كتبوا أحياناً تقارير سريَّة، وعلموا أنها لن تنشر للجمهور ولكنها مخصصة لكبار المسؤولين. وذلك الخط الضعيف المتلاشي بين مهنة الصحافة والعمل الدعائي وجمع المعلومات واستخدام النفوذ لدى الصين كان هو مصدر قلق واشنطن. فخلال منتصف أيلول الماضي أمرت أميركا (سي جي تن ان) وشينخوا بالتسجيل وفق "قانون تسجيل العملاء الأجانب" الذي يجبر وكلاء يمثلون مصالح قوى أجنبية في مجالات سياسية أو شبه سياسية بتسجيل علاقتهم، إضافة الى نشاطاتهم وتمويلهم. مؤخراً، اتهم بول مانافورت مدير حملة دونالد ترامب بانتهاك هذا القانون عبر فشله بتسجيل نفسه وكيلاً أجنبياً في ما يتعلق بعمله في أوكرانيا.
كان شعار "اجعل الأجنبي يخدم الصين" إحدى الستراتيجيات المفضلة لدى ماو، وتجسدت بقراره منح الصحافي الأميركي ادغار سنو حرية الدخول في الثلاثينيات. كتاب سنو "النجم الأحمر فوق الصين" مهم جداً بكسب التعاطف الغربي تجاه الشيوعيين، إذ وصفهم بالتقدميين وأعداء الفاشية.
بعد 80 سنة على ذلك، لم يعد الشعار مجرد عرض مقدم الى شخص أجنبي للدخول مقابل تغطية إعلاميَّة إيجابيَّة، ولكن استخدام مؤسسات الإعلام ذات الموظفين الأجانب لخدمة مصالح البلاد. في 2012، وخلال سلسلة مؤتمرات صحفية في بكين أثناء انعقاد الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني، تلقى مسؤولون حكوميون أسئلة من امرأة أسترالية غريبة على المراسلين الأجانب المحليين، وبرزت بسبب لغتها الصينية الفصيحة وأسئلتها اللينة.
ظهر لاحقا أن الشابة تدعى "أندريا يو" وتعمل لصالح المؤسسة الاعلامية "غلوبال ميديا غروب" ومقرها ملبورن. تعود ملكية المؤسسة بصورة غير مباشرة الى الاذاعة الرسمية الصينية، وتدير 11 محطة اذاعية على الأقل في أستراليا وتنتج برامج تظهر الجانب الايجابي من الصين.
استخدام محطات اذاعة أجنبية لنشر محتوى تقبله الحكومة هو ستراتيجية وصفها رئيس الاذاعة الصينية "استعارة قارب للابحار في المحيط". ذكرت رويترز عام 2015 أن غلوبال غروب هي إحدى ثلاث شركات تدير شبكة خفية مكونة من 33 محطة اذاعة تبث المحتوى الرسمي الصيني الى 14 دولة. أما الآن فهناك 58 محطة تعمل مع 35 دولة، وفقا لمعلومات من مواقعها الألكترونية. وفي الولايات المتحدة وحدها، يبث محتوى اذاعة الصين عبر أكثر من 30 محطة، استنادا الى خطاب حديث لنائب الرئيس الأميركي مايك بنس، مع أنه يصعب معرفة من يستمع اليها أو مقدار تأثير ذلك المحتوى.
صحيفة الغارديان البريطانية