العائلة الوحيدة الناجية من تفجير الكرادة تتحدث لـ {الصباح}

السبت 26 كانون ثاني 2019 325

العائلة الوحيدة الناجية من تفجير الكرادة تتحدث لـ {الصباح}
بغداد / سها الشيخلي
تصوير/ نهاد العزاوي 
"كنا نقف مع مجموعة تتألف من 200 شخص تقريبا على الرصيف عندما حدث ذلك الانفجار الرهيب، ووجدنا انفسنا متناثرين على الأرض وأغلبنا مصاب بالشظايا والحروق، وكنت في حالة ذعر وارتباك ولا ادري هل اطفئ النيران المشتعلة في ام اطفالي أم اتوجه لانقاذ الاطفال الذين اشتعلت ملابسهم ايضا".
بهذه العبارة استذكر رب العائلة الوحيدة الناجية من تفجير الكرادة اللحظات المروعة لذلك العمل الارهابي، متحدثا عن ذلك اليوم المأساوي الذي بترت فيه ساقه، وعن رحلة العائلة الطويلة للعلاج  داخل العراق وخارجه، وعن أملها بالشفاء الذي ما زال قائما. 
ويقول خالد ناصر رب العائلة المكونة من ثلاثة أطفال وامهم:
كان ابني عبد الله في حينها بعمر سنة وشهر وداخل عربة تدفع باليد، كنت مشغولا باطفائه والصراخ يملأ المكان، اما امه فقد احترقت ساقها من الركبة، فيما كانت النار تشتعل في يدي واطرافي وظهري، كما اصيب ولداي محمد "سبع سنوات" ورقية " ثماني سنوات" بشظايا وحروق بالوجه، وتم نقلنا بسيارة لشرطة النجدة الى مستشفى الشيخ زايد، وكنا اول المصابين الذين دخلوا اليه، ومازال الاولاد جميعا يعانون من حالة نفسية مزمنة، فيلاحقهم الرعب وتحاصرهم المخاوف، ويصرخون، في الحلم واليقظة، كلما تذكروا ذلك الحادث المخيف.
ويضيف رب العائلة المولود في العام 1979، ويعمل كاسبا: لقد هرب محمد واخته رقية باتجاه جبار ابو الشربت، ولم  ارهما لفترة، وبقينا انا وابني الصغير عبد الله وزوجتي، وقبل ذهابنا الى المستشفى كنت ازحف وزوجتي تمسك بساقي السليمة، وحين توجهنا نحو حسينية عبد الرسول كانت النيران لا تزال تشتعل في جسمي المليء بالشظايا، وكنا لا نقوى على الوقوف بسبب الحروق الشديدة عندما نقلتنا شرطة النجدة بسرعة الى طوارئ الشيخ زايد، ولم يستطع المستشفى علاجنا، فتم نقلنا الى مستشفى الحروق التخصصي بمدينة الطب.  ويقول ناصر:  اوجه شكري وتقديري واعتزازي لكل من وقف معنا على مدار "11" يوما في محنتنا من الشرطة والاطباء والممرضين، لاسيما وقد توزع افراد عائلتي بين الردهات من اجل العلاج، فقد وضع الاطفال في مستشفى الحروق، وانا وزوجتي في مستشفى الجراحات  التخصصية، كل واحد منا في طابق بعيد عن الثاني، وبعدها طلبنا أن نجمع في مكان واحد نتيجة تعب زوارنا والمرافقين لنا، وساعدنا كثيرا مدير مستشفى مدينة الطب الذي طلب تخصيص غرفة لنا في مستشفى الحروق، وقد اسهم المرافقون من اهلي في تلبية حاجاتنا ولهم الفضل في استعادة صحتنا، ولا انسى جميع من ساعدنا سواء في العلاج اوالتبرع بالدم وفي تلبية حاجاتنا
 الاخرى.
 
هول التفجير
ويلفت ناصر الحاصل على شهادة الدراسة المتوسطة الى ان التفجير كان مروعا، فقد خلف جرحى وشهداء ومفقودين، ويؤكد ان جميع الجرحى الناجين من تلك الكارثة لم يكن من بينهم عائلة واحدة بكل افرادها، بل غالبا ما ينجو بعضهم ويستشهد الاخرون، وعند اعداد وجرد الجرحى والناجين كنا العائلة الوحيدة المتكاملة العدد الناجية وهذا فضل من الله تعالى، وقد تم عزلنا في مستشفى مدينة الطب لهذا السبب، اما العلاج فبرغم شدته، الا انه متوفر سواء داخل البلاد او خارجه، وقد زارتنا في وقتها عدة وسائل اعلام، لكننا كنا في حالة صعبة لم نستطع الحديث علاوة على انني فقدت النطق من هول الصدمة لمدة خمسة اشهر، كنت لا اقوى على الحديث، بل ولم اجرب التحدث، وفي مستشفى الجملة العصبية قال مديرها الطبيب المختص انور نوري، بعد ان اطلع على التحاليل والتقارير وشدة الاصابة" من المستحيل ان يأكل هذا المريض او يتكلم"، واستسلمت للامر الواقع وطلب مني الطبيب تناول طعامي عبر "القصبة" بانتظار رحمة الله الواسعة.  وعن زواجه يقول ناصر ان ارتباطه بزوجته حدث عن طريق المصادفة في العام 2007 وهي موظفة في امانة بغداد، وعلاقته بها جيدة ولا ينسى انها رفضت الاخلاء اثناء الانفجار وطلبت انقاذه اولا وكانت قريبة منه في الحادث وفي كل المواقف. 
وتقول زوجة ناصر رنا المولودة في العام 1981 انها كانت قبل الحادث موظفة في امانة بغداد ولكن اصابتها مع افراد عائلتها اعاقتها عن الاستمرار في العمل.
وتضيف رنا:   كنا ذاهبين لشراء ملابس العيد عندما حدث الانفجار، ذهبنا للعلاج في ايران، ودخلنا الى غرفة العمليات مباشرة، وبعد عدة اجراءات تم وضع مسند لركبتي واستمرعلاجنا لمدة شهر واحد.
 وتقول رنا: إن اطفالها يعانون من اقرانهم في الشارع، فعندما يخرجون ينادونهم بـ" بيت المحروكين "، فما زالت اثار الحروق واضحة على وجه ابنتها واذنيها، وان الاطباء اخبروها بامكانية اجراء عمليات تجميل لها خارج العراق عندما تكبر، لم نستطع الحديث مع رقية ومحمد فقد كانا اثناء زيارتنا لهما في المدرسة. 
 
رحلة العلاج
وعن مرحلة العلاج اشار ناصر الى ان علاجه شخصيا استمر لمدة سنة وشهر واحد، اذ بقي في مستشفى الحروق ببغداد لمدة خمسة ايام وما تبقى من العلاج كان خارج العراق، وقد اجريت لوجهه عملية تجميل ممتازة جدا اعادته الى حالته الطبيعية.  ويبين ناصر انه كان ينوي الذهاب الى تركيا مع عائلته لكن نتائج العلاج الممتازة دفعته للعودة الى العراق، وما زالت ابنته رقية تعاني من اثار الحروق الشديدة، ومن قسوة زميلاتها في المدرسة اللواتي ينادينها بـ"المحروقة" لانهن صغيرات ولا يدركن انعكاسات وصفهن، وكلما كبرت تركز في ذاكرتها الحادث، وهي الآن في سن المراهقة وتريد ان تكون جميلة ككل البنات، وغالبا ما نفشل انا وامها في التخفيف من معاناتها.
ويواصل ناصر حديثه عن رقية فيقول:
 ان اثار الحروق الظاهرة في وجهها تجعل الاخرين يتساءلون باستغراب عن اسبابها وعن تفاصيل اخرى بدافع الفضول الذي يجعل البعض يخوض في امور شخصية ربما لا تعنيه، لكنها تزيد من عذابات رقية وتحملها احباطات نفسية كبيرة، ولو كانت ولدا فربما كانت المعاناة اقل، في الوقت الذي يطلب مني شقيقها محمد ان تترك رقية الدراسة وتبقى في البيت افضل لهما معا ذلك لانهما يدرسان في مدرسة واحدة  مختلطة، ويبرر محمد طلبه ذلك انه تعب من الرد على اسئلة 
زملائه التلاميذ. 
 
العائلة تناشد
ويعيش خالد ناصر مع عائلته في بيت مستأجر صغير وضيق جدا مكون من صالة وغرفة واحدة ومرافق صحية في منطقة الزوية، ويناشد دولة رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي النظر بعين العطف الى العائلة المنكوبة بتخصيص بيت صحي لائق، فهو يسير على مسندين وصعوده الى بيته قد يعرضه للسقوط والى بتر ساقه الاخرى السليمة، ويؤكد ناصر ان لهم الحق على بلدهم الذي لم يبخل برعاية ابنائه البررة ممن اطاح باحلامهم وحطم احلامهم عمل ارهابي جبان، كما تناشد الموظفة السابقة رنا دائرتها امانة بغداد بتسليمها قطعة الارض التي تستحقها بعد ان تم تأجيل تسلمها أكثر من مرة.