{سعيد أفندي» وَثقَ لعاداتٍ وتقاليدَ بغداديَّة لم تعد موجودة

الثلاثاء 19 شباط 2019 54

{سعيد أفندي» وَثقَ لعاداتٍ وتقاليدَ بغداديَّة لم تعد موجودة
أزهر العبيدي 
يعد فيلم "سعيد أفندي" من اوائل الأفلام العراقية التي أنتجت في العهد الملكي وصوّر سنة 1957، ويعود الفضل في ظهوره إلى المنتج عبد الكريم هادي الذي أصرّ على انتاجه وجلب معدات خاصة له من الخارج عندما رفضه استوديو بغداد. 
ويصوّر الفيلم الواقع الذي كانت تعيشه الأسر البغدادية في الخمسينيات من القرن العشرين على الطريقة الايطالية التي لا تعتمد على الديكورات والاستوديوهات، إذ جرى التصوير في أزقة منطقة الحيدرخانة وبيوتها القديمة التي تحمل عبق التراث البغدادي الأصيل وعادات سكانها القدامى العريقة، ويصوّر طيبة أهلها وبساطة عيشهم والفقر والجهل والمرض الذي كان سائداً في تلك الفترة التي بدأ فيها العراق بالنهوض. 
أخرج الفيلم كاميران حسني عن قصة "شجار" للكاتب ادمون صبري، ومثل فيه الفنان يوسف العاني بدور سعيد أفندي، وجسدت شخصية فهيمة زوجة سعيد أفندي الممثلة زينب (فخرية عبد الكريم)، وأدى عبد الواحد طه دور المعلم عزّت أفندي، ومثل جعفر السعدي شخصية   "الركّاع" عبد الله، وقدم المخرج كاميران حسني زوجته الأميركية سوسن حسني لتؤدي شخصية حسيبة الخرساء، فضلاً عن إبراهيم جلال ومحمد القيسي ويعقوب الأمين. 
 وقصة الفيلم تدور حول المعلم سعيد أفندي (يوسف العاني)  الذي يعاني من عدم إيجاد بيت يستأجره بعد ان اخلى بيته السابق بناء على رغبة صاحب الملك، يجد له بيتاً زميل له في المدرسة في منطقة شعبية (الحيدر خانة) وعلى الرغم من " وكاحة " أطفال المحلة الا ان سعيد أفندي يسكن فيها وينقل عائلته المكونة من ثلاثة أولاد وزوجته فهيمة (زينب) وتنشأ علاقة مع اسرة الاسكافي عبدالله (جعفر السعدي) وتعلق ابنتهم الخرساء حسيبة (سوزان حسني) بعزيز الابن الأصغر لسعيد افندي، يتشاجر الأطفال فيما بينهم وتدخل زوجة المعلم وتفض الشجار بعد ان توبخ وتضرب ابن الاسكافي ، فتحصل قطيعة بين الجارين، ويفتقد سعيد جاره الاسكافي الذي اغلق دكانه، يسأل فهيمة فتخبره ان الاسكافي مريض ولا يقدر على مصاريف العلاج، فيأتي سعيد بطبيب ويدفع كلفة العلاج والدواء معاً، فيعود الوئام بين الجارين، لكن مشاجرة أخرى بين الأولاد تنهي السلام بين العائلتين، اذ تسقط طابوقة على رأس عزيز وتشج رأسه، وتتهم الخرساء بضربه، على الرغم من محاولتها تخليص الطابوقة من يد اخيها، يغضب سعيد افندي ويكاد ان ينهار وهو يرى ابنه فاقداً للوعي في المستشفى، ينقذ الطفل ويخرج الاسكافي  من مركز الشرطة، ويلتجئ سعيد الى الشرب وبعد ان يصل مرحلة السكر يرى الخرساء تتأمل في دم عزيز الذي تحبه ويعاتبها المعلم عتاباً شديداً ما يؤدي الى انهيارها، وبعد ان يتعافى الطفل يقرر سعيد افندي واسرته عدم الاختلاط بأولاد الاسكافي، وفي يوم يطلب من ابنه ان يصلح حذاءه، شرط ان لا يعطيها الى عبدالله (الركاع) ، الذي ما ان يراه حتى يطلب منه تسليمه الحذاء فيمانع الطفل لكنه يقنعه بذلك، فيصلحها ويرسلها بنفسه الى جاره معتذراً عن الفعل غير المقصود، ويقول لجاره المثقف" لا عليك يا جاري ادبهم حتى ولو بالضرب"  يسمعان مشاجرة الأولاد فيبتسمان.
 لاقى فيلم "سعيد أفندي" الاقبال من الجمهور العراقي، الذي أحب الفيلم وتعاطف معه، لاسيما عامة الناس من الفقراء، الذين وجدوا فيه تعبيراً عن همومهم ومعاناتهم المعيشية في تلك الفترة.
 وترشح الفيلم لنيل جوائز عديدة أبرزها جائزة مهرجان موسكو السينمائي الدولي في العام 1959، وفعلاً يستحق هذا الفيلم كل هذا الاحتفاء والاهتمام محلياً وعربياً وعالمياً، ذلك لأنه ينقل الواقع العراقي بلا رتوش وبذلك يعكس صورة حية للمجتمع العراقي في ذلك الزمان، فضلاً عن كونه يضم عرض صور من التراث الشعبي والمهن السائدة مثل: أبو "الفرارات" و"بائع المرطبات" والعربة "الربل" و " وختان الاطفال" اذ نراهم يرفعون ثيابهم البيض ويرتدون قلائد من البصل.
وبهذا يمكن القول ان الفيلم وثق لعادات وتقاليد بغدادية لم تعد موجودة حالياً، وهذا -من وجهة نظري- ما اعطى لهذه التحفة السينمائية سمة الريادة، فهو أسس لأفلام واقعية رسالتها طرح قضايا المجتمع ومحاولة علاجها، وقد نجح كاميران حسني في ذلك وتفوق.
باحث ومؤرخ من الموصل