البناءُ السينمائيُّ في رواية {مأوى الثعبان} لحميد المختار

الثلاثاء 05 آذار 2019 99

البناءُ السينمائيُّ في رواية {مأوى الثعبان} لحميد المختار
حسين السلمان
منذ ولجتْ الحداثة عالم السرد بدأت الصورة تأخذُ تأثيرها في حركة الرواية، فبعد أنْ كانت الحالة مقتصرةً على بعض الكتَّاب الذين يتمتعون بقدرة السيطرة على المتن الروائي أخذوا حيزاً، وإنْ كان بسيطاً، من فنونٍ أخرى ليضاف الى فن الرواية.
والروائي العراقي حاله حالَ من تأثر بالحركات السرديَّة والفكريَّة العالميَّة، سواءً جاء هذا التأثير تقليداً أم هو محاولة للتعبير عن أفكار، فإنَّه أخذ موقعاً متقدماً بين كتَّاب الرواية وحتى الشعراء. هنا لا أقولُ إنَّ الرواية العراقيَّة دخلت مضمار الصورة كاملة بل هي تسعى، كما هي الحال مع المذاهب والاتجاهات الروائيَّة الأخرى، لأنها رواية تقع تحت التأثير، وهذا يأتي حسب وعي وعلاقة الكاتب بالفنون الأخرى وقدرته في امتلاك ناصية كل فن وكذلك قدرته في السرد الصوري.
يمكن القول إنَّ هناك أجزاءً أو وحدات تنتشر هنا وهناك داخل المتن الروائي تطمح لأنْ تكون صورة، فبناء الصورة ضمن السرد الروائي ربما تكون عائقاً إذا لم يحسن استخدامها، لأنَّ الصورة السرديَّة لا تحتاجُ الى إسهابٍ لغويٍ، بل هي تميلُ الى دال صوري ينتج عن تضاد لغوي وتضاد صوري.
في رواية (مأوى الثعبان) للكاتب حميد المختار نقرأ في ص37: "جاء الى الدنيا ولم يجد أحداً، كان وحيداً تماماً في البيت بموجوداته ومخلفات الأب الراحل، الصورُ الفوتوغرافيَّة والملابس التي غطتها سحابات التراب، بقايا رائحة زمنٍ منصرمٍ وعيون زمنٍ قادمٍ تحملها رياح مسمومة مخترقة مسامات الجسد الطفولي اليقظ الذي بدا يتشرب عوالم المحسوسات بكل تفاصيلها الدقيقة"...
هنا بناءٌ سينمائيٌّ كاملٌ، فالكاتب ينتقل من زمن حاضر الى ماضٍ ومن ثم يعود للحاضر (كان وحيداً تماماً في البيت) وثم ينتقل بذات الحاضر ليستعرض بلقطات بانوراميَّة لموجودات البيت: الصور، الملابس. ثم يقفز الكاتب سريعاً نحو الماضي (جاء الى الدنيا ولم يجد أحداً). يدخلنا المختار في لعبة الزمن والوقت: ها هي أمه تتركه كل يوم طيلة أكثر من ثلث الليل وحين تعودُ يكون عمود الفجر قد شطر الظلمة وفجرها الكاذب)..
هذه الجملة تتوزعُ في السرد الصوري الى مشهدين في وقتين مختلفين وبينهما يكون مشهدٌ ترابطيٌ وهو مشهد بقائه وحيداً. البناء المشهدي هنا هو سينمائيٌّ أكثر مما هو روائي، لكنْ هناك اختلافٌ في استخدام الفعل، ففي الرواية جاء الفعل بالماضي أما في السينما فإنَّ الفعل دائماً بالمضارع وعلى اختلاف أنواع الأزمنة التي هي تبدأ بزمن مركز وملغي ومقلوب وحقيقي.
من الأشياء المثيرة التي ظهرت فيها قدرة المختار في التوصيف البارع لرسم المشهد السينمائي بوحدته البنائيَّة وهي اللقطة السينمائيَّة، فنقرأ في ص96: (فاقتربت السوادة الكثيفة وأخذت تتضح أمام ناظريها شيئاً فشيئاً وإذا بها ترى رجلاً قصير القامة بدشداشة سوداء ولحية طويلة وقد اعتمر (غترة) لفها على رأسه بطريقة بدت وكأنها عش لقلق خالٍ من البيوض. حين دخل لم تكن هي قد فسحت المجال لجسده الضئيل كي يدخل فاستغربت ذلك ولكنها كعادتها دائماً أضافتها الى كثرة غفلاتها وسهوها أثناء مخاطبة الناس)...
هنا رسم المختار مشهده بلقطة عامة وهي لقطة ضبابيَّة؛ أي إنها بلغة السينما "أوت فوكس" (خارج البعد البؤري للوضوح) والكاميرا هنا ثابتة، لكنَّ الشخصيَّة تتحرك وسط عدم وضوح متجه نحو الكاميرا. يبدأ المشهد بحركة بطيئة (سلوموشن) لكشف الشخصيَّة، وهذا ما نطلقُ عليه تقديم الشخصيَّة للمشاهد، فلا يكتفي المختار بتقديمٍ عامٍ فهو يذهبُ الى تفاصيل دقيقة لكشف أبعاد الشخصيَّة الداخليَّة منها والخارجيَّة "رجل قصير، يلبس دشداشة، لحية طويلة، غترة، جسد نحيل.." إنه توصيف جميل يمنح المخرج حريَّة التجوال في البحث عن الممثل المناسب.
إذنْ يبدأ المشهد بلقطة عامة ثم متوسطة وأخيراً لقطة قريبة. هنا أخذ الكاتب التسلسل الكلاسيكي في الحركة البنائيَّة للمشهد السينمائي، وقد جاء بحكم انسيابيَّة السرد التي جعلت من اللقطات أكثر وضوحاً بما حملته من مفاهيم مستلَّة من واقع الحدث وواقع الشخصيَّة.
ويتلاعبُ المختار بالأزمنة، وهي حالة شاقة ومتعبة في العمل السينمائي، لأنَّ الانتقالات الزمنيَّة في السينما تتحد بأطر وأساليب غاية في التعقيد والتي تدخل ضمن الاستعارات والإجازات وهي تأتي ضمن الانتقال عبر حركة الموضوع وحركة الممثل وحركة الكاميرا وحركة الزمن، مثلما لاحظنا عند المختار بتنقله عبر أزمنة تتداخل في ما بينها لتوليد فكرة عن الشخصيَّة وسلوكياتها.
ما يميز رواية (مأوى الثعبان) قدرة المؤلف الواضحة في استخدام وسيلة الانتقاء، أي إنه يحدد الإطار العام للمشهد بتشخيص المكان ومن ثم يبدأ في اختيار ما يراه مناسباً لتطوير مديات البعد الدرامي، فهو حين يضع الإطار يبدأ بتحديد سبل الانتقاء من عموم المشهد السينمائي (الفصل في الرواية) والاستخدامات هنا تذهبُ الى وسائل تأكيديَّة خاصة بالشخصيَّة أو هي وسيلة تعبير دراميَّة أو إنها وسيلة ربط بين المشاهد.