السّاردُ الشّاهدُ والذّاكرةُ الواعيةُ

الاثنين 25 آذار 2019 162

السّاردُ الشّاهدُ والذّاكرةُ الواعيةُ
د. نادية هناوي
 
 لا سردَ من دون ذاكرةٍ هي ذخيرة تمد السّارد بالصور المسترجعة أو المستشرفة لأمكنة تبنيها، صانعةً من الحاضر ماضيًا، ومن الماضي حاضرًا، وبما يجعل القارئ واعيًا ومنشدًا لفعل الذاكرة، حاملًا أفق توقع يدمج الخاص بالعام ويمازح الحلم بالواقع والحياتي بالأخروي.
والوعي هو الذاكرة من منطلق الكوجيتو الديكارتي (أنا أفكر اذن أنا موجود) وما وجود الوعي سوى إعلان عن يقظة الذاكرة في مواجهتها لفعل النسيان. وإذا كان النسيان هو عدو الذاكرة؛ فإن الكسل والتبلّد هما عدوا الوعي. ولئن كانت الحياة قائمة على وجود الأضداد أصلا، فمن الطبيعي أن يلجأ السارد إلى المتضادات (اليقظة/الرؤيا، الذاكرة/النسيان، المشاهدة/السماع) وبهذا تكون استمرارية الوجود. والذّاكرة الواعية هي الذاكرة الحاضرة التي لا يطالها النسيان. وإذا طال النسيان السارد فلا جنة ولا حياة سعيدة يوهم الآخرين بوجودها، لكن متى يمكن محاسبة ذاكرة السارد أو مراقبتها؟
إنَّ عملية المحاسبة والمراقبة على فعل التذكر قد تستوفيان سرديًا بشكل واضح وجليّ؛ إلا من خلال توظيف ساردٍ تتمركز وظيفته في الاساس حول التّذكر، الذي نتيجته الإدلاء بشهادة، تجمع النسيج السردي بصلات ووشائج يتم عبرها استعادة أزمنة وأمكنة والبغية من ورائها الوصول الى بنية قولية هي في حقيقتها ايديولوجية، وسنطلق على هذا السارد اسم (السارد الشاهد)، الذي عادة ما يتخذ سرده شكلا سيرذاتيا يجمع القول بالتمثيل، وهو موجود على مستوى الداخل السردي ومموّه بالمؤلف على مستوى الخارج السردي، ولهذا يتمرأى المؤلف بالسارد متخذا من شهادته وثيقة، ولا بدَّ للسارد الشاهد من وجود مشهود لهم، يأتي بعدهم مسرود له. والفرق بين المشهود لهم والمسرود لهم أن الثاني مكمّل للأول. وبهذا تكون خطاطة الشهادة السردية مؤلفة من السارد (الشاهد) والمسرود (الشهادة) والمسرود لهم (المشهود لهم). والسؤال هنا هل الشخصية الساردة التي تقوم بالتذكر هي التي تتحكم في المشهود لهم؟ أم الجماعة (المشهود لهم) هي التي تتحكم فيها؟ 
إن التخييل عامل مهم في جعل الذاكرة قادرة على استحضار مستودعاتها أو استدعائها استدعاء سرديا، وقد تتمكن الذاكرة من جعل فرديتها جماعية، متحلية بالعدالة غير شاعرة بالذنب ولا طالبة الغفران، متغلبة بفعل التذكر على فعل النسيان. 
والذاكرة أنواع أهمّها الذاكرة المتصالحة التي هي بحسب بول ريكور صورة السعادة التي نتمناها من أجل أنفسنا ومن أجل القريبين منا، وعملية استدعاء الذاكرة في البناء الزماني للسرد هي اثبات للهوية، وهذا ما يجعلها تحتل في السرديات الدينية أهمية كبيرة تصل إلى درجة التعطّش والتقديس، رغبةً في صنع مستقبل هو المطمح والمبتغى. ولهذا تغدو الذاكرة عند بول ريكور ملزمة على المستوى الأخلاقي، فلا تنفصل فكرة الدين عن فكرة الميراث أي أننا ملزمون نحو هؤلاء الآخرين الذين سنقول عنهم لاحقا إنّهم لم يعودوا موجودين، ولكنهم سبق فكانوا.
وتساءل بول ريكور في كتابه (الذاكرة التاريخ النسيان) إن كنا نجهل معنى الامتحان العسير الذي تمر به الذاكرة أمام الحضور الحي بصورة للاشياء الغابرة، وكنا نجهل كذلك معنى أن يبدأ الانسان في البحث عن ذكرى ضائعة أو مستعادة، فكيف يمكننا أن نملك الحق في سؤال أنفسنا إلى من ينتسب هذا الامتحان وهذا البحث؟!! هنا يبدو لنا المحك الأساس في عملية استحضار الذاكرة والاتجاه بها سرديا، لتقوم بهذا الدور الاستعادي الايهامي. 
وتتحدد وظيفة السّارد الشاهد على مستوى المسرود له في الادلاء برؤيا او حلم او مشاهدة واقعية عن مسرود لهم، يتمتعون بصفات الوقار والورع والاقتدار، والشاهد يقر أمام أحدهم بحقيقة واقع مشهد يقول انه حضره ربما كفاعل مشارك او كضحية. أما وظيفة السارد الشاهد على مستوى المسرود فهي بناء واقع نصي، توظف فيه مختلف الأساليب السردية من غرائبية ومصادفة وحوارية ومونولوج وضمائر سردية وعتبات والتي بها يتم توصيل معطى موضوعي هو عبارة عن رؤى ومشاهدات ذات دلالات رمزية وفكرية.
أما وظيفته على مستوى القراءة والتلقي فهي تقديم شهادة هي بمثابة ذاكرة مؤرشفة لحضورين زماني ومكاني. وما استعمال ضمير المتكلم المفرد (أنا) إلا اعتراف وإقرار. أما اذا تعدى السارد مسألة الاعتراف والاقرار ودخل في طلب التصديق قائلا: (صدقوني)، ففي هذه الحالة تخرج وظيفة السارد الشاهد من تقديم شهادة إلى تقديم شهادة مصدقة. 
ولعل السبب يكمن في أن طلب المصادقة ينبني على وجود قدح أخلاقي او شائبة قضائية تطال شهادة الشاهد، تقتضي منه المطالبة بالتصديق. وكأنّه شاهد يدلي بشهادته أمام محكمة، وهذا خلاف ما هو مطلوب من (السارد الشاهد) الذي يدلي معترفا ومقرا بشهادة لا مجال للافتراء فيها كونها لا تمثل الشاهد وانما تمثل المجموع ضمن فضاء عام. ويُسمّي ريكور الشهادة على المستوى الخاص الإفرادي بـ (ميكرو تاريخ) وعلى المستوى العام الجمعي بـ (ماكرو تاريخ)، الذي فيه تصبح الذاكرة المؤرشفة مجموعة ذكريات تاريخية يمكن استعادتها في أي وقت. ويبقى قبول الشهادة أو رفضها مرتبطا بنقدها، الذي هو في الأصل نقد لعملية كتابة التاريخ، والغاية هي استقصاء الحقيقة. ولا يمكن للادهاش القرائي أن يتحقق، ما لم يكن البناء السردي مبنيا بناء منطقيا، وهذا ما يستدعي من المؤلف قدرة على جعل سرده صادرًا عن ذاكرة هي حية غير هشة، ومؤرشفة بمخزونات تستدعى في السرد بحسب الحاجة، مشتملة على صياغات قصصية، تتعدد فيها الضمائر مثلا والاستبطانات ويستعمل التغريب كما توظف المفارقة. وبحسب ما يتمتع به المؤلف من مخيال حر، يجعل المادة السردية لديه تتكثف بطريقة فنية مقدمة المحتوى العقائدي تقديما ايهاميا. لتكون كتابته عتبة عبور من عالم الى عالم وربما عتبة عبور من الحياة الى ما بعدها، وبالشكل الذي يجعل الارتحال بحثا عن الحقيقة مستمرا في الذاكرة على مستوى أعلى من الواقع يصل بالنتيجة النهائية إلى ما وراء هذا الواقع الذي هو غرائبي فيه خيط أمل وبصيص ضوء يوعد بجنة هي يوتوبيا خضراء وحياة خلود وسعادة أبدية.