“مشحوف خريبط” ادانة للزيف وتبجيل الحكمة

الجمعة 05 نيسان 2019 106

“مشحوف خريبط” ادانة للزيف وتبجيل الحكمة
صباح محسن كاظم 
حكايا الريف، والأهوار، والقرى، والمدن.. تمثل الموروث الحكائي، بعضه دون وكثيرمنه يتناقل شفاهيا. 
أجمل وأروع وأنبل جهد هو توثيقه لكي لاينساه ابناء الجيل الجديد  وهذا الجهد الكبير والاستثنائي والمميز تكفلت به الشاعرة نوال جويد – حيث دونت وأرشفت وكتبت قصص بالغة الجمال بمضمونها  نسجتها بحبكة متناهية وتقدمها كشكولاته للمتلقي العربي والعراقي لأن موروثنا الشعبي كنوز دفينة بعقول الأجداد والآباء يروى من جيل إلى جيل  بالطبع تحمل بعض الكلمات عمق المحلية خيرا فعلت المبدعة نوال بوضعها هامشاً لمعظم صفحات  الكتاب الجميل الذي ترويه بعناية بالغة محببة للمتلقي، حيث العبرة والحكمة من سردة تلك قصص الحب  والعشق والحرمان الذي تختزنه عقول الريفيات ونساء المدن بأزمنة ماضية في عمق الأهوار ومدننا المكتظة بالنخيل والقصب والبردي، حين كانت المرأة نادرا ما  تخرج للتعليم بل وظيفتها الرعي  وجلب الماء  والخدمة. 
 سردت جويد حكايا تضمنت كل قصة بالشعر الشعبي العراقي، إذ كانت الشاعرات يرتجلن تلك القصائد  لعشاق يلتقون بحبيباتهم خلسة من دون علم الآباء وأبناء العم،  لكن اغلب الحالات لم تتوج بالزواج ليبقى أنين الحب يتكسر بآهاته بصدور المحبين . 
وردت في الكتاب الصادر عن دار الهجان  الرافدين الذي قدمه الاديب رائد مهدي قصة ابو فائز العابدي حيث كان ضريرا فاقداً للبصر ،  ولديه معشوقة سألته في يوم ما: كيف عشقتني وأنت لم تراني قط ؟
فأجابها بأبيات الشعر التالية:
 
 آنة المشكيت جرحي من اذاني
وعليج ادعي بصلاتي من اذاني
عشك مو من اعيوني من ا ذاني
بسمع مو شوف صوتك لعب بيه  
 
مشحوف خريبط يمثل ذاكرة الموروث الشعبي : 
بما قامت به الكاتبة نوال جويد، بجهدها التوثيقي بالانتقال من الشفاهي .. لحقل، وبستان، ورياض التدوين.. ثم انتقت بجمالية عينات من تلك الشفاهيات المحببة، خصبّت ونشطت الذاكرة الجمعية، لم تجمل الوقائع ،أو تزيفها، ولم تضع أحمر الشفاه على فم القرد لتجمله.. بل قولبت تلك القصص بروح مرحة أحيانا من ألطاف القص ،مع المحافظة على روح الحماس ،والتوهج،والذروة للشعر الشعبي العراقي بالحسجة والأبوذيات، والأهازيج وحرارتها بتلك القصص الشعبية..وبالحفاظ على اللهجة المحلية المحكية الريفية التداولية لليوم.
 (مشحوف اخريبط)  إدانة للزيف وتبجيل الحكمة، كما جاء بمفتتح الكتاب.
تسواهن:
 حكمتها في التعامل مع الموقف غير الأخلاقي الدنيء من ذلك البقال السيئ (أربع أكوام من الربيات وكل كوم خمس وعشرين ربية).. تجيبه بحكمة متناهية تنبع من الحفاظ على شرفها والعائلة : بس ذنيّ هواي إنت تكدر تروح (العجد الهوى) وتختار لك وحدة أحلى مني وما تدفع أكثر من ربيتين ؟)
  تسواهن نهرته بخلقها  ، نسبها، ،ومقام والدها في العشيرة ..تنهي قصتها بالقول المؤثر (كفيلك العباس إذا شفتني بسّطت لو دخلت السوك مرة ثانية ذيج الساعة إطيني ربيّة وحدة كافي).
في قصة شعبية أخرى (طير شلوى) الموروث  القصصي الشفاهي، حول الجدة شلوى في تربية أحفادها اليتامى الثلاثة، حيث كانت تستجدي الطعام لهم، وتطلق عليهم(طويراتي) وتمر الأزمنة يكبر هؤلاء وتشهد لهم المواقف البطولية عند التصدي للأعداء حفاظا على كرامة النساء من الاغتصاب ..سارت الكاتبة نوال بهذا الاتجاه بمجمل الكتاب الجميل الذي يتطلب الكتابة عن كل قصة ومحتواها، وماورد شعرا شعبيا
 فيها.