سكونيَّة الحركة وقوَّة الفعل في {الرسالة الأخيرة}

الثلاثاء 09 نيسان 2019 230

سكونيَّة الحركة وقوَّة الفعل في {الرسالة الأخيرة}
حسين السلما
يظهر لي جليا أن أفلام الشباب تخرج من أرواحهم التي كثيرا ما صدمتها الأوضاع الاجتماعية والسياسية إضافة الى الحالة الصعبة للإنتاج السينمائي، لذا فإنها كثيرا ما تهاجم تلك الأخلاقيات الكاذبة والادعاءات الفاسدة التي عصفت بالوطن الذي أنهكته الصراعات السياسية والدينية المقيتة.
 لذا اتسمت هذه الحركة بصناعة سينما تمتلك من الحيوية ما جعلها قريبة من حقيقة الحياة، لأنها تهتم بتفاصيل الإنسان الصغيرة، فهم ينتجون أفلاما ويعرفون أنها لا تجلب لهم مردودا على الإطلاق، فكم يشغلني أن أعرض أفلام الشباب على الجمهور العريض في صالات العرض السينمائي، لكي أعرف الاستجابات والتصورات والانطباعات التي نحصل عليها، لذا أجد فيلم "الرسالة الاخيرة "   للمخرج ملاك عبد علي يأخذ هذا المنحنى بكل اهتمام ودراية محاولا خلق تفاعل مع المتلقي بتلك الأحداث والتفاصيل الممتعة.
 
حكي
يقترب الفيلم من الأساليب الحديثة في الحكي وفي السرد، عندما يبتعد عن اشتراطات الحدوتة التقليدية، وبذا تبدو الحكاية في الفيلم للوهلة الأولى على شكل موعظة يشوبها حزن، إذ جاء ضمن ترابط الحكي متناثرا ومتباعدا مما خلق فجوة عميقة ما بين سكونية الحركة في تقديم الحكاية وبين فاعلية الفكر والفعل، وهذا انعكس سلبا على الشخصيات الثلاث ( الزوج والزوجة والصديق مساعد المخرج ) وهنا تتشكل قضية أساس في بناء الشخصية وضروراتها وأهميتها ، لذا أجد وجود شخصيتان  لمهمة واحدة لم تخدم الفيلم( في ما يخص شخصية مساعد المخرج والمخرج )وهي في تصوري شخصية واحدة ، فلا الحدث ولا الزمن يسمح بفائض على التركيبة البنائية للفيلم .لكن في ضفة آخرى أجد الكاتب ــ المخرج مدركا ودقيقا في  الاقتراب الحقيقي من الحكاية ومن مصدرها الحقيقي حيث أنه عمد الى اختيار شكل الممثلة وبعض من الاضافات واللمسات في تسريحة الشعر وبعض من حركات تنتمي الى فرجينا وولف (مشهد الجلوس على الكرسي والقراءة  ومشهد الجسر ومشهد المرآة ) فالرتابة في الحياة الخاصة  لم تأت هنا في الحكاية منعكسة فقط على سلوكية الشخصية ومشاعرها وأحاسيسها ، بل تجسدت في استخدام أفضل للأزياء باعتبارها العنصر التعبيري القادر على ضخ الأفكار التي تتمركز داخل الحدث الرئيس( البطلة بذات الملابس في كل مشاهد الفيلم وبلون يمتلك دلالته العميقة المرتبطة بقوة مع الحالة النفسية الشخصية ) . ولأن الفيلم لم يشتغل مع ما هو متداول في الحكي وفي السرد، فان وجود مشاهد متكررة ومتداولة في السينما بشكلها العام لا تنفع إطلاقا في هذا الفيلم بالذات (مثل النظر الى المرآة بذات الحركات والتعبير السائد وسقي النبات، واللقطات الانتقالية الأخرى التي هجرتها السينما الحديثة ..) على العكس من ذلك جاءت لقطات النوارس أكثر دقة في تقديم الاستعارات الفكرية الناتجة من عمق الدلالة في بنائية الحدث. لذا فان التقاطعات والانتقالات في السردية الصورية منحت الفيلم خاصية القدرة السينمائية في التعبير الصوري الممتع الذي اتسم به الفيلم بشكل عام، وهذا ما تجسد عبر اسقاطية جميلة لحياة فرجينا وولف على حياة الممثلة في الفيلم الذي منح العمل فاعلية وقوة التأثير على المتلقي بحكم قوة أحداث الحياة التي عاشتها الكاتبة
 الإنكليزية .
 
الصوت والحركة 
إن مركز الأهمية في المشهد بشكل عام وفي اللقطة بشكل خاص يأتي من ضرورة الحدث وفاعلية الشخصية وقدرتها في أحداث تغير في تحولات الحكاية .فمثلا مشهد الغرفة (الزوج والزوجة ) ونهوض الزوج بتلك اللقطة الطويلة وحواره الطويل أيضا أفقدنا مركز الأهمية الذي كان ينطبق على الزوجة أكثر مما ينطبق على الزوج ( طبقا لنظرية الفعل ورد الفعل ).وهذا يقودنا الى ملاحظة التشابهات في الإيقاعات الصوتية (نبرات وأحاسيس الالقاء ) عند كل الشخصيات .فالتقارب أو التشابه في طريقة الإلقاء والتنويعات الصوتية لا تخلق خصوصية وملامحا للشخصية .فالاختلاف في الالقاء وتقطيع الجمل(خاصة المشاهد المسرحية ) يحب أن تأتي طبقا لسلوكيات ومواقف الشخصية، فمن أجل خلق تباين بطبقات الصوت تمنح الشخصية استقلاليتها كي لا تتماثل ( جسديا أو صوتيا ) مع الشخصيات الأخرى . 
 ، وهنا اذكر حالة التحويل الجزئي للصوت (سواء كان موسيقى او حوارا) يجب ان ينظم طبقا للفاعلية الدرامية وما يعمله على شحذ المشهد التالي. وهذا ما حدث بطريقة عكسية حيث الزوجة تقص حكايتها (وهو قص مفتوح) والانتقال الى حالة ذات خصوصية لا تتحمل تدخلا صوتيا (الزوجة جالسة على كرسي تقرأ وتدخن). ان محاولة تصادم فكرتين او فعلين في لقطة واحدة تؤثر سلبا في بنائية اللقطة، وإن هذا تجسد بشكل آخر في طريقة إلقاء الممثلة حوارها بالفصحى الذي أحدث إرباكا بين ترابط الفعل الدرامي للشخصية والحالة النفسية لها مع تعثر في سلامة اللغة وانسيابيتها وضعف في إتقان توظيف اساليب الالقاء والمحافظة على مخارج الحروف، وهو ذات الامر حدث مع الموسيقى التي دائما ما نجدها على وتيرة واحدة تراوح في مكانها بضربات بيانو امتد على مدار زمن الفيلم.
 
محاولة تمهيدية
واضح ان ملاك عبد علي عاشق للنهر فقد رأيناه في غالب أفلامه يلامس فيها النهر لكنه في فيلمه “الرسالة الأخيرة" يرغب بأصرار في الغوص داخل الماء، وفعلا يأخذ بطلته لتسير برغبة حزينة لتغرق في النهر تاركة روحها تحوم فوق نهر دجلة
 مع النوارس .
ينظم المخرج زمنه السينمائي ضمن ارتدادات متغيرة، فالزمن في الفيلم يقفز الى الوراء ومن ثم يرتد عائدا الى الأمام طبقا لسياقات السرد الصوري الذي يعتمده المخرج بشكل جيد،  وهذه المعالجة جاءت إضافة مفيدة في شحذ الحدث وتماسك السرد من خلال فهم إخراجي تجسد بوضوح في بنائية اللقطة عبر الحجم والحركة والموضوع .وكل هذه العناصر مجتمعة ( في اللقطة وفي المشهد في آن) صنعت ايقاعا عاما للفيلم منحنا كمتلقين متعة مضافة الى حدث الفيلم الجميل .واضح جدا أن المخرج ملاك يعمل على هذا النسق الفيلمي ، وهذه الحالة في طريقة كتابة السيناريو وفي الإخراج أيضا.تي تجسدت تقريبا في كل أفلامه ) من أجل أن يشق لنفسه طريقا خاصا يوصله الى ما يصبو اليه كمخرج.