سعيد الغانمي: تقلّص مساحة الأيديولوجيا يحصل بفعل امتداد مساحة الأسطورة

الأربعاء 10 نيسان 2019 193

سعيد الغانمي:  تقلّص مساحة الأيديولوجيا يحصل بفعل امتداد مساحة الأسطورة
حاوره من بغداد: حسن جوان
 
ناهزت بحوثه وترجماته المنشورة الخمسين إصداراً، وتنوّعت بين حقول ثقافية متعددة، تتعاضد في بناء منظومة معرفية تدعو بدورها الى مراجعة التاريخ والتراث واللغة. أطلق مصطلح “الحقب التأسيسية” في قراءته للمركزيات المتجاورة أو المتناحرة، بهدف إعادة التحليل وفق أسس لغوية وثقافية جديدة تقلب أو تصحح الكثير من الموازين القديمة، كما ناقش مفهومات عديدة ليعيد تعريفها ضمن أنساق جديدة. إنه المترجم والباحث سعيد الغانمي الذي عُرف بانشغاله منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وهو طالب في قسم الترجمة بكلية الآداب، جامعة الموصل، بعلم اللغة، أو الألسنية، فكانت ثمرة ذلك أول كتاب له عنوانه “اللغة علماً” (صدر في بغداد سنة 1986) ولم يتوقف مذاك عن دأبه الثرّ في نشر البحوث والترجمات الغنية، حيث تُوّجت بعض تلك الجهود بحصوله على جائزة الشيخ زايد للكتاب في العام 2017 في فرع الفنون والدراسات النقدية عن كتابه “ فاعليّة الخيال الأدبي”. تواصلنا معه في مقرّ إقامته في أستراليا، فكان هذا الحوار الخاص بـ “ الصباح”

* في جهودك الترجمية، هل هناك ناظمٌ تحاول عبره بسط رؤية مترابطة، يمكن لها أن تصنع منظومة معرفية متكاملة، تنسجم أو تلتقي مع طروحاتك النظرية، هل هناك ترابط قصدي أو بناء تعتمده في خريطتك الترجمية؟
- لا بدَّ من وجود خيط يربط بين ما نترجمه وما نكتبه مباشرةً، وأنت تعرف أننا نترجم مدفوعين بثلاثة أهداف معرفية في الأساس حسب نوع الكتاب الذي نختاره، فأنت إما أن تبحث عن معلومات جديدة لا تعرفها، أو أفكار لم تخطر على بالك من قبل، أو أنك تريد أن تعزز منهجاً معيناً، وترمي إلى أن تتخذ من الكتاب الذي تترجمه مصدراً لاستيحاء هذا المنهج. وتفترض جميع هذه الأهداف أن لديك مشروعاً فكرياً من نوع ما، وأنك تريد تعزيز هذا المشروع بإضافة معلومات جديدة، أو أفكار جديدة، أو مقاربات من شأنها أن تفتح هذا المشروع على آفاق قراءة جديدة، وبالنتيجة، وربما دون شعور منك، يتدخل الحوار بين ما تترجمه وما تفكر فيه، ولكن وفي جميع الأحوال، لا بدَّ من وجود مسافة فكرية بين ما تترجمه وما تفكر فيه؛ لأنك حين تترجم، فأنت تعطي النص المترجم صوتاً لغوياً في لغتك الخاصة، لكنك تحاول قدر الإمكان الاحتفاظ بأفكار المؤلف، وهكذا تكون كمترجم مسؤولاً عن المستوى اللغوي للعمل، أما المستوى الفكري فيظل دائماً من مسؤولية المؤلف.
*تحدثتَ غير مرّة حول نظريتك في الحقب التأسيسية، وتناولت المنابع اللغوية الأولى، معتبراً أنّ “الحيرة” كمركز ثقافي تأسيسي لتلك الحقبة تشكِّل أنموذجاً، ما الذي يترتب على هذا الكشف المهم من تغيرات في إعادة التفسير التاريخي الحضري واللغوي لدى الباحث المعاصر؟
- حين قرأت نظرية ابن خلدون حول الصراع بين الحضارة والبداوة، لاحظت الموقع المركزي الذي تحتله فكرة “العصبية” فيها، وان العصبية هي قوة تماسك داخلي لأبناء العصبة الواحدة، وقوة دفاع خارجي ضدّ العصبيات الأخرى، وحين تتدافع العصبيات فإنها تتحرَّك على شكل أمواج متتابعة، تبدأ صغيرة ثم تتسع، وفي الوقت نفسه تعمل كل عصبية على استبعاد العصبية السابقة عليها، تماماً كما تدفع الموجة اللاحقة الموجة المدفوعة السابقة عليها، وقد رأى ابن خلدون أن كل عصبية وهي تكبر، تحاول أن تستحوذ على العصبيات المجاورة لها، وقد وجدتُ أن هذا الشيء يصحّ على الدويلات التي شكّلها العرب قبل الإسلام، وبدلاً من أن أُسمي هذه الدويلات باسم “دول المدن”، فقد سميتها “دول العصبيات”، حين تظهر دولة جديدة تنشر لهجتها وتقويمها وعباداتها وآلهتها وثقافتها كلها، فتلغي كل ما قبلها، حتى كأن التاريخ يبدأ بها، وهذا هو ما يجعل تاريخ الأدب العربي قبل الإسلام، وإلى حد ما بعده أيضاً، يبدو وكأنه سلسلة من الجزر المنفصلة عن بعضها، ويمكن تطبيق هذا على الصراع بين الغساسنة والمناذرة، بل على الصراع بين البابليين والآشوريين، فكل عصبية تستولي على السلطة، وتؤسس لنفسها دولة، تطلق ثقافتها باعتبارها “حقبة تأسيسية جديدة”. وفي يدي بعض الأعمال التي أطبق فيها فكرة الحقبة التأسيسية بطريقة مختلفة قليلاً عن السابق، رابطاً بينها وبين ما يسمِّيه الباحثون بالأدوار أو القصائد الملحمية، وهي ظاهرة ثقافية ولغوية في الأساس، ربما ما زلنا نجد بعض آثارها في الثقافات التي تقوم على أسس طائفية أو عرقية أو قبلية؛ لأن جوهر الحقبة التأسيسية يكمن في ادعاء بداية ثقافية، لكن هذه البداية قد تكون دافعاً نحو فكرة إبداعية عظيمة، مثل ظهور الملاحم القديمة في العصور التاريخية المتلاحقة، كملاحم جلجامش وهوميروس وما شابه ذلك، لكنها أيضاً قد تكون في أزمنة أخرى شرارة لاندلاع الحروب الطائفية، كما حصل بين الهند وباكستان، أو في بعض مناطق إفريقيا.
أعتقد أن الحيرة قبل الإسلام استقبلت وأنتجت موجات ثقافية ممتازة، وما زالت بعض إنجازاتها حية حتى اليوم، لكن هذه المدينة المظلومة لم تصمد أمام التحدِّيات الساسانية في البداية، ثم الإسلامية لاحقاً، وحين جاء الإسلام كان حقبة تأسيسية بكل معنى الكلمة، لكن عرب الجزيرة استثمروا الفتوح الثقافية والسياسية التي أحرزتها الحيرة، وزعموا، كأي حقبة تأسيسية جديدة، أنهم وجدوا الأرض قفراء، وان التاريخ يبدأ بإنجازاتهم.
*تكررت في بحوثك وعناوينك كلمة “فاعلية” في أمثلة وأنساق تحليلية كثيرة، كيف لنا أن نستثمر هذه الفاعلية في تأسيس منطلق واعٍ وقواعد لبناء ثقافة شاملة عراقيّاً؟
- منذ وقت مبكِّر في حياتي الأدبية، وأنا مقتنعٌ بأن القراءة ليست مجرَّد تلقٍّ سلبيٍّ، بل هي نشاط إبداعي في الأساس، وان الناقد المهم هو الذي ينجح في توريط القارئ معه بحيث يجعله مؤلفاً مشاركاً، يتمكن في النهاية من مفاوضة المؤلف في فهم المقروء، وفي مثل هذه القراءة الإنتاجية لا يعود التأليف مجرد إلقاء معلومات في خيال القارئ، بل هو محاولة لتحريض القارئ على استيلاد الأسئلة، والانخراط في فاعلية القراءة الإنتاجية، وهكذا فإن الفاعلية هنا هي عمل تفاوضي مشترك بين الكاتب والقارئ. وإذا نجحنا في تعميم مثل هذه القراءة، فلا بدَّ أن يكون الجمهور الذي سنحصل عليه جمهوراً نقدياً، يؤمن بأن القراءة ليست تمرير العيون على السطور، بل هي في الأساس فاعلية إنتاجية يتعلم فيها المرء، ويكتسب خبرة حياتية عملية مما يقرأه نظرياً. وفي أعمالي الأخيرة بدأت كلمة “فاعلية” تكتسب معنى آخرَ، لأنها صارت تدلُّ على أن خبرات القراءة المتعددة تتفاعل فيما بينها، بحيث يمكن للأدب أن يكون عموداً من أعمدة المعرفة الفلسفية، وحينئذٍ فإن إنتاج الفلسفات لن يقتصر على تسويق المعارف النظرية والأنساق الفكرية على الطريقة اليونانية والغربية وحسب، بل إن الفلسفات سوف تظل تتطلع علينا حتى من خلال الكوى والشرفات الأدبية.
*قلت ذات مرة، في لقاء متلفز، إننا مررنا بزمن قمعي أيام الدكتاتورية كان الصمت يستدعي شجاعة أكبر ممّا قد يستدعي الكلام، وقد مضى ذلك الزمن، وحلّ آخر، ما الموقف المتاح للمثقف اليوم ليمارس فضيلته، هل بشجاعة الصمت أم بشجاعة الكلام؟
-      في نهاية مسرحية غاليلو لبريخت، بعد أن يتراجع غاليلو عن آرائه، يقول له تلميذه اليافع فيما يشبه العتاب: ما أتعس الأمة التي بلا أبطال، فيرد عليه غاليلو قائلاً: ما أتعس الأمة التي تحتاج إلى أبطال. نعم، كان الصمت أيام النظام البائد يحتاج إلى شجاعة، وليس الكلام وحده، أما الآن فقد استُبيحت المحرَّمات، وأُهدرتِ الضَّوابط، صرنا نسمع مسبّة المسؤولين على جميع المستويات، وهذه ليست شجاعة، بل فوضى مَن يُجهِزُ على خصم قتيل، الشجاعة، كما يقول الجواهري، هي أن يحميك مجدك وحده، في الناس لا الشرط ولا الأنصار.. الشجاعة هي فردوس الضمير واعتناق الأخلاق، وليست استعراض البطولات المجانية، وفي مثل الوضع الذي يعيشه المجتمع العراقيّ، نحن بحاجة إلى شجاعة التفكير النَّقديّ، وليس إلى شجاعة شتم المسؤولين، نحتاج إلى شجاعة المواقف النزيهة، وليس استعراض البطولات الرَّخيصة، وفي شجاعة الأخلاق النزيهة والتفكير النقدي، تتحقق ذروة الجرأة الاجتماعية التي يحتاجها مجتمعنا.
*هل تعتقد أن زوال الأيديولوجيا، وحلول منطق آخر أحادي أو ثنائي أو متعدد محلها قد غيّر كثيراً أو قليلاً من المعادلة السابقة؟ 
-من المشكوك فيه أن تكون الأيديولوجيا قد زالت من أفق حياتنا الفكرية، فأجواؤنا الثقافية ما زالت تغصُّ بالأيديولوجيات من جميع الأنواع ووظيفة الأيديولوجيا هي التمويه على سائر الاختيارات من أجل هدف ثقافي أو فكري مفروض ومقرر سلفاً، بالتأكيد لم تعد الأيديولوجيا تغرينا كثيراً كما كانت تفعل سابقاً، لكن هذا لا يعني أنها اختفت من حياتنا، بل صارت الأيديولوجيات تتكاثر وتتنافس في ما بينها، مما أضعفها جميعاً، فضلاً عن ذلك فإن تقلص مساحة الأيديولوجيا قد يحصل أحياناً بفعل امتداد مساحة الأسطورة وهنا مكمن خطر آخر، ما ينبغي أن نتعلمه هو التفكير النقدي، وليس انتفاخ الأيديولوجيا أو اشتداد الأسطورة، والتفكير النقدي هو الذي يفضي بنا إلى أن المعارف البشرية ليست مطلقة، كما تزعم الأيديولوجيات والأساطير، بل هي برامج لتنمية المجتمعات معرفياً، وهذه البرامج ينبغي أن تقوم على التعددية والاحتمال، لا على الواحدية والقطعية، وحينئذٍ فقط سوف تتغير المعادلة الثقافية، ولكن ربما كنا للأسف ما زلنا بعيدين جداً عن هذه الغاية السامية.
*نلت جائزة الشيخ زايد كتكريم لإسهاماتك المعرفية والترجمية، ما الإضافة الرمزية والمعنوية لهذا التكريم عند سعيد الغانمي؟
- قبل كل شيء، أودّ أن أشير إلى أن جائزة الشيخ زايد للكتاب ليست جائزة تشجيعية، تعطى لأعمال تختارها على سبيل الحث والتشجيع، بل هي جائزة لها معاييرها الدقيقة التي تلتزمها لجان التحكيم فيها، فتفاضل بين مئات الأعمال، لتُعطى لعمل واحد، يمثل في النهاية قيمة رمزية في الحقل الفائز، وهي من هنا تستمد قيمتها، وقد فاز فيها كتابي «فاعلية الخيال الأدبي» في حقل الفنون والدراسات النقدية، وأنا أعتز بهذا الفوز، وأعتبره مرحلة مفصلية في تطوري المعرفي، فالجائزة، أية جائزة، هي المعايير التي تفوز بها الأعمال، ولا أُخفيك أنني قبل الجائزة كنت أرى نفسي كاتباً مغموراً، تتجاهل الثقافة العربية أعماله، وما زال شيء من هذا الشعور يخالطني، لا سيما في البيئة العراقية، لكن الجائزة بددت قدراً كبيراً من هذا الإحساس، فهناك تقدير نوعاً ما لأعمالي، في الأقل عربياً، وبالتأكيد يبقى ثمة عتاب مع العراق، الذي كرّستُ جميع أعمالي لقراءة تراثه، بما فيها كتاب «فاعلية الخيال الأدبي» الذي فاز بجائزة الشيخ زايد، ولكن للأسف، يبدو أن المحاصصة السياسية تحوّلت إلى محاصصة ثقافية أيضاً، فتبدد معها كل أمل.