الناس تريد الحقيقة

الثلاثاء 23 نيسان 2019 143

الناس تريد الحقيقة
حسن العاني 
غريبة حقاً هذه المنطقة الصغيرة التي تبدأ من تمثال الرصافي وتنتهي عند ساحة الميدان، والتي تختزلها الناس باسم (الحيدرخانه)، لأنها تمثل اكبر تجمع للمقاهي البغدادية ذات الخصوصية الاستثنائية، فهي من ناحية ملتقى للادباء والمثقفين والصحافيين، ومن ناحية اخرى فإنَّ كل واحدة منها تمثل (في الاتجاه العام) نوعاً ثقافياً من الرواد، وربما الميزة الأهم لتلك المقاهي – وأنا أتحدث عن ستينيات القرن الماضي- انها كانت بصورة أو أخرى عنصراً بارزاً، أو الأبرز في فعاليات البلد ونشاطاته السياسية والثقافية.
كان أمراً ممتعاً هو ذلك الذي يجري في هذه البقعة الضاجة بحلقات النقاش والحوارات الساخنة، فمن مقهى أحمد فتاح والبرلمان وحسن عجمي الى الزهاوي وعارف آغا والبلدية، (ومن الى) هناك حياة حقيقية وأسماء لكبار المبدعين والمثقفين وعشاق الثقافة، لا تغيب عن المشهد، وكنت يومها ابن عشرين، أحتمي تحت أجنحة آفاق شعريَّة وقصصيَّة ونقديَّة رنانة، أصغي وأتعلم وأجرب الكتابة وأحظى بالإعجاب مرة وبالتشجيع والنقد مرة أخرى، وفي أعماقي أمنيات لا يتمناها إلا مراهق، وهي أنْ أتجاوز شاعرية المتنبي ووجودية سارتر وأحلام ماركس!
من بين أعضاء (الشلة) الثقافية التي كنت أحضر مجلسها في مقهى (عارف آغا)، كان فتى دوني في العمر، يضع خطواته الأولى على طريق الصحافة، وينشر هنا وهناك، والحق إنه لا يخلو من موهبة، ويحسب له إنَّ ثقافته العامة جيدة، ومتابع للإصدارات الجديدة، ولكن يعاب عليه ابتعاده الكامل عن الكتابة في القضايا الساخنة وهموم المواطنين وإبداء رأي خاص به، ولم تكن تهمةً أو من باب السخرية، حين قال له أحد الأصدقاء ووجهاً لوجه  (حرامات.. قلمك حلو بس ولا واحد يقرالك، لان كتاباتك وافكارك وطروحاتك من النوع اللي ميضر ولا ينفع)، حقاً لم أقف له يوماً على موضوع ينفع او يضر!
في العام 2004 على ما اذكر، أصدر صاحبنا جريدة وتولى رئاسة تحريرها، وقد اشتكى لي بعد شهرين على صدورها -وهو في أعلى درجات الحزن، حتى خشيت عليه من الكآبة- إنه تعرض الى خسائر مادية أثقلت كاهله، واضطر الى إيقافها، فمن أصل 800 نسخة لا يبيع إلا 200، ولم أجامله أو أتردد عن إخباره بأنَّ جريدته تأثرت بشخصيته الإعلامية.. فهي لا تضر ولا تنفع، والناس تريد صحافة حقيقيَّة ومؤثرة.. لم يمض أكثر من أسبوعين على لقائنا وإذا به يصدر جريدة جديدة، غاية في التطرف لأنها أصبحت متخصصة إذا جاز التعبير بالنقد الرخيص للحكومة والبرلمان ومؤسسات الدولة وفبركة الأخبار وافتعال الفضائح.. وفيما كان الرجل سعيداً لأن جريدته تطبع 4 آلاف نسخه من دون مرتجع، كنت في غاية الحزن على مستقبل الإعلام، ولكنني في الوقت نفسه مطمئن الى أنَّ إعلام الشتائم والتحريض والفضائح والطائفية عمره قصير، وذلك ما حصل فعلاً، فبعد 4 أشهر لم يعد أحد يقلّبُ مطبوعه..