هوليوود صنعت سينما بروح «كولنيالية جديدة»

الثلاثاء 23 نيسان 2019 154

هوليوود صنعت سينما بروح «كولنيالية جديدة»
أحمد داخل ناصر
إذا كان الإعلام الغربي/ الأميركي الموجه، قد مثل إحدى أدوات الهيمنة الثقافية في عالم ما بعد الكولنيالية في ظل التطور الحاصل في شبكة المعلومات والاتصال والفضاء الإعلامي الواسع الانتشار.. وهو ما عمل عليه في تضليل الوعي الغربي بصور كاذبة وفاضحة عن المسلمين بالعودة إلى الإرث الاستشراقي من خلال إبراز صورة الآخر نمطياً.. 
السينما الغربية، ولاسيما الهوليوودية تعد من متممات تلك الأدوات لمَّا أسهمت به في شحن الذاكرة الثقافية الغربية بمئات الأفلام عن الآخر العربي والمسلم. وكانت غاياتها خلق سينما بروح" كولنيالية جديدة".
يقول جاك شاهين: "إن هوليوود قدمت صور العرب الأشرار في أكثر من 900 فيلم روائي منذ عصر السينما الصامتة وحتى عصر الأفلام التي تعتمد على اعقد التقنيات الكومبيوترية ومعظم هؤلاء الأشرار شيوخ وحريم، أشرار ببشرة داكنة وينتمون إلى بلدان عربية مثل الجزائر والعراق والمغرب وسوريا واليمن ... الخ".
ومثل هذا  كان يتأسس على مواد ومرويات وسرود قديمة.. كأن يتم الاعتماد على الفرضيات التي كانت تقر بطبيعة العروق المحكومة، وهو ما ذهب إليه اللورد كرومر في سحب مثل هذه الطبيعة على المصريين والتي ظلت كحقيقة راسخة عن المجتمعات الشرقية كصورة تشي بالمنطق القائل إن الشرقي في عرف كرومر يميل بطبعه إلى تجاهل وجوده كلياً فالعروق المحكومة لديه: "لا تملك في ذاتها القدرة على معرفة ما هو خير لها".
هذه الأفكار مثلت فيما بعد مسلمات، أو ما تناقله أدب الرحلات في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.. فالتعميمات الاستشراقية التي أطلقها الرحَالة عبر المراقبة أو التخييل أو النقل على تلك المجتمعات والشعوب والأعراق والثقافات مثلت مادة أرشيفية كامنة في الوعي الثقافي الغربي أُعيد ويعاد إنتاجها سينمائياً لبث الروح القائمة على التمركز من جديد لتعبيد الطريق أمام طموحات الامبريالية الجديدة. فلا تزال الصور التي رسمها الرحالة نرفال في كتابه "رحلة إلى الشرق" المليء بالغرائبية الرومانسية عن النساء الشرقيات المليئات بالشبق والكبت الجنسي والتي تعكس المتخيلات الايروسية للكاتب لا تلك الموجودة في الواقع فعلياً. وبالتالي فإن صنع مثل هذه التنميطات للحياة الشرقية مثل فيما بعد تعميمات استشراقية فظة. وعلى هذا يعلق ادوارد سعيد بقوله: "عادةً ما يرتبط العربي في الأفلام وفي قنوات التلفاز أما بالفسق أو بالغدر والخديعة المتعطشة للدم ويظهر منحلاً، ذا طاقة جنسية مفرطة، قديراً، دون شك على المكيدة البارعة المراوغة لكنه، جوهرياً، سادي، خائن، منحط، تاجر، رقيق، راكب جمال، صراف، وغد متعدد الظلال: هذه بعض الأدوار التقليدية للعربي في السينما..
وكثيراً ما يُرى العربي القائد أيضاً على أنه من اللصوص المغيرين، والقراصنة، والعُصاة، من السكان الأصليين يزمجر في وجه البطل الغربي المأسور والفتاة الشقراء (وكلاهما مفعم بالصحة والعافية) قائلاً: "رجالي سيقتلونكما، لكنهم يحبون ان يتسلوا بكم أولاً"، وهذا أيضاً ما حصل في  فيلم "ملكة الصحراء" المأخوذ مما تخيله لورنس العرب في كتابه "أعمدة الحكمة السبعة"  اذ يحكي تجربة الجاسوسة والروائية البريطانية المس بيل، التي جسدت بطولته الممثلة الاسترالية نيكول كيدمان وأخرجه المخرج الألماني الشهير فرنز هرتزوغ وهو من إنتاج 2014 صورت أكثر مشاهده في الأردن والمغرب إلى جانب مشاهد أخرى صورت في لندن، وقد ركز الفيلم على الدور الذي لعبته المس بيل إلى جانب لورنس في رسم حدود الشرق الأوسط الجديد إبان الحرب العالمية الأولى ويُظهر الفيلم جانباً من طباع العرب: مجموعة قبائل متفرقة وقاطعي طرق يسود فيما بينهم التناحر ويتصفون بالغدر وصناعة المكائد.. غارقين بالخرافة والقصص والأساطير وبحاجة إلى من يدير شؤونهم وهم كذلك مقسمين إلى طوائف وملل (دروز وسنة وشيعة.. وغير ذلك)
وبعد قيام دولة إسرائيل في فلسطين حفلت فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي بعدد من الأفلام السينمائية التي تصور العربي بأنه" رجعي، ماكر، كاذب، لا ذمة له، نهم جنسياً وكسول. ومن أهم أفلام هذه الفترة: "لص بغداد"، و"كابتن سندباد"، و"الصليبيون الجبابرة"، و"هجوم الصحراء"، و"طيران العنقاء". إن هذا التنميط لصورة العربي الذي تخيلته هوليوود الغارق بالخرافة والمجون والغباء والخؤون، تحول فيما بعد إلى الإرهابي الطامح إلى الموت المجاني الذي يضمر الكراهية
 للآخر.
في فيلم "قواعد الاشتباك" للمخرج وليام فريد يكن الذي صورت أكثر مشاهده في المغرب عام 2000 يُظهر جانباً من العنصرية الفجة والاستخفاف بالآخر كالعبارة التي يطلقها بطل الفيلم تومي لي جوز (اقتلوا الأوغاد.. ويقصد بهم الأهالي المتظاهرين) إذ تم تطويق السفارة وإخراج السفير بعد مداهمة المكان والرد على الأهالي بعنف. وخلاصة الفيلم هي عملية افتراضية توقّع هجوم على السفارة الأميركية في اليمن عام 1996، وبحجة الدفاع عن النفس تقوم قوات المارينز المحمولة جواً بمهاجمة السكان المدنيين المتظاهرين أمام السفارة الأميركية بحجة وجود مجموعة من الإرهابيين بينهم، ويتم التعامل مع المتظاهرين على أنهم أهداف عسكرية.
إن مسألة التبخيس في صورة العربي في السينما الهوليوودية باتت رائجة وباستمرار حتى في الأفلام التي تتجاوز موضوعاتها الشرق نفسه، فالإرهابيون غير المرئيين في "العودة إلى المستقبل" عام 1985 الذين تبدأ بهم القصة، هم ليبيون كما يقال لنا، والرجال الذين لا وجوه لهم في الصحراء أولئك الذين يخدمون كأهداف يمارس عليهم جي. آي. جين (1998) التصويب يتكلمون العربية، وعندما يرغب الأبطال البيض الشجعان في تنفيذ فنونهم القتالية الروتينية في أفلام " cod-zen "على شاكلة سلسلة "النينجا الأميركية " اذ نرى لهم في العادة جمهرة من الأشرار العرب ليهزموهم. يؤدي التهديد الكامن للمسلم المهووس المتعصب اليوم الوظيفة نفسها في النص الذي كان يؤديه الهندي الأحمر في النوع السائد من الأفلام السينمائية التي تدعى "الويسترن"  .
 إعلامي وأكاديمي