الكونكريت.. أكثر مادة مدمرة على الأرض

السبت 27 نيسان 2019 137

الكونكريت.. أكثر مادة مدمرة على الأرض
ترجمة وإعداد: مي اسماعيل
في الوقت الذي تستغرقه قراءة هذه الجملة؛ ستكون صناعة البناء العالمية قد صبّت أكثر من 19 ألف حوض استحمام من الكونكريت. في منتصف المقال سيكون الحجم قد ملأ قاعة مسرح عملاقة وانسكب الى الشارع؛ وبعد يوم واحد سيملأ سد “الممرات الثلاثة” العملاق في الصين تقريباً. وفي سنة واحدة سيكون هناك ما يكفي لتغطية وسد كل وادٍ وتل وزاوية في بريطانيا! 
يعتبر الكونكريت (بعد الماء) المادة الأكثر استخداماً على الأرض؛ لكن فوائده تغطي مخاطر جسيمة على الكوكب وصحة البشر والحضارة بحد ذاتها. ولو كانت صناعة الاسمنت بمجملها دولة؛ فستكون ثالث أكبر مصدر لانبعاث ثاني اوكسيد الكربون في العالم (نحو 2.8 مليار طن)، ولن تفوقها سوى الصين والولايات المتحدة. تلك المادة أساس التطور الحديث؛ فهي تضع سقوفاً فوق رؤوس الملايين وتعزز دفاعاتنا أمام الكوارث الطبيعية وتوفر هياكل للرعاية الصحية والتعليم والنقل والطاقة والصناعة. الكونكريت وسيلتنا لنحاول ترويض الطبيعة؛ فألواحه تحمينا من عوامل المناخ؛ وتمنع عنا المطر والبرد والوحل. لكنه أيضاً يغطي مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة ويحجّم الانهار ويخنق موائل الطبيعة.. كأنه جلد ثان قاسٍ كالصخر فوق الأرض، يحول بيننا وبين ما يجري في قلاعنا الحضرية. 
لن يتحرك من مكانه.. 
يتسارع تحول كوكبنا الاخضر الى رمادي كل ثانية، وترى بعض الدراسات أننا تجاوزنا بالفعل النقطة التي يفوق فيها وزن الكونكريت كتل الكربون مجتمعة من كل شجرة وشجيرة وأجمة على الأرض. وبمعنى آخر؛ بات محيطنا المبني يفوق محيطنا الطبيعي. ولكن على خلاف العالم الطبيعي، لا ينمو المحيط المبني فعلياً؛ بل تكون خاصيته الأساسية التصلب ثم التحلل.. ببطءٍ شديد. كل ما أنتج من البلاستيك في السنوات الستين الماضية بلغ نحو ثمانية مليارات طن؛ لكن صناعة الاسمنت تضخ أكثر من هذا كل سنتين. ورغم أن المشكلة هنا أكبر من مشكلة البلاستيك؛ لكن العالم يعتبرها عموماً أقل حدّة: فالكونكريت ليس من نواتج الوقود الاحفوري، ولا يستخرج من بطون الحيتان والنوارس. لم يكتشف الاطباء آثاراً من الكونكريت في مجرى دمنا،  ولا نراه متراكماً على أشجار البلوط أو يسد مجاري الانهار الجوفية. الفكرة العامة هنا أننا نعرف موقعنا من الكونكريت.. أو بمعنى أدق: نحن نعرف أين يذهب الكونكريت الذي ننتجه.. انه لن يتحرك من مكانه؛ ولهذا السبب بالذات تزايد اعتمادنا عليه.   
هذه الاستمرارية بالطبع هي ما يتطلع إليه الجنس البشري؛ فالانسان يحب الكونكريت لوزنه وتحمله، لذا صار أساساً للحياة الحديثة، ليصد عنها العشوائية والزمن والطبيعة وعناصرها. وحين جمعناه مع الحديد صار مادة تضمن لنا أن السدود لن تنهار والأبراج لن تسقط والطرقات لن تلتوي وخطوط الطاقة ستبقى متصلة. صلابة الكونكريت صفة جذابة؛ خاصة في وقت التغيير المربك.. ولكنه- مثل كل الاشياء الجيدة الوفيرة؛ يخلق مشاكل أكثر مما يحلها. يقاوم الكونكريت عوامل الطبيعة سنوات عديدة؛ لكنه قد يضاعف تأثيرها احياناً. ومن أبلغ الأمثلة هنا- عجز الشوارع والطرق الحضرية عن امتصاص كميات المياه أثناء العواصف والأمطار؛ لتثبت فشلها أمام متغيرات المناخ العالمية المعاصرة.  كذلك تولّد مراحل انتاج الكونكريت بمجملها نحو 4-8 بالمئة من ثاني اوكسيد الكربون في العالم؛ ولا يفوقها بإنتاج غازات الدفيئة سوى الفحم والنفط والغاز. تتولد نصف كمية هذا الغاز أثناء تصنيع الكلنكر (clinker - خبث المادن المتخلف بعد الحرق في الأفران) وهو الجزء الأكثر استهلاكاً للطاقة عند تصنيع الأسمنت. لكن بعض التأثيرات البيئية للكونكريت تبقى بعيدة عن الفهم العام؛ فالكونكريت وحش متعطش للماء؛ يستهلك نحو عُشُر استخدامات المياه للصناعة في العالم. وهذا يمثل عبئاً على موارد الشرب والري؛ لأن نحو 75 بالمئة من هذا الاستهلاك يوجد في مناطق تعاني الجفاف وشحة المياه. وفي المدن يضاعف الكونكريت تأثير ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية-heat-island”؛ بامتصاص دفء الشمس واحتجاز الغازات من عوادم السيارات واجهزة التكييف؛ رغم أنه يبقى (على الأقل) أفضل من الاسفلت الاسود في تلك الخواص. 
 
كوارث صحيَّة
يؤدي الكونكريت الى تفاقم مشكلة داء السيليكات (= التليف الرئوي الناجم عن استنشاق الغبار المحتوي على السيليكا) وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى. وتحمل الرياح المارة على أكوام الاسمنت ومكائن الخلط نحو عشرة بالمئة من كميات الغبار الخشن الذي يخنق مدينة دلهي؛ إذ وجد الباحثون سنة 2015 أن مؤشر تلوث الهواء في جميع مواقع  البناء الكبرى التسعة عشر تجاوز المستويات الآمنة بثلاث مرات على الأقل. كما أن مقالع الحجارة الكلسية ومعامل الاسمنت هي غالباً مصادر تلوث؛ اضافة لمسارات نقل المواد بين المعامل ومواقع البناء. وبهذا المعدل يكون حتى الحصول على الرمال كارثياً؛ إذ جرى تدمير الكثير من شواطئ العالم ومسارات الأنهر، حتى بات هذا النوع من التعدين (لانتزاع الرمال) الآن عملاً تديره عصابات الجريمة المنظمة (بوتيرة تصاعدية)، ويرتبط بالعنف القاتل. 
هذا مجرد تلخيص يمس التأثير الأكثر حدة (ولكن الأقل فهماً) للكونكريت على البيئة؛ من حيث أنه يدمر البنى التحتية الطبيعية دون تعويض الوظائف البيئية التي تعتمد عليها البشرية لاتمام عمليات الإخصاب والتلقيح والسيطرة على الفيضانات وإنتاج الأوكسجين وتنقية المياه.
يمكن للكونكريت أن يأخذ حضارتنا للأعلى؛ حتى 163 طابقاً في برج خليفة/ دبي (على سبيل المثال)، ليصنع فضاء معيشياً معلقاً في الهواء. لكنه أيضاً يدفع الوجود البشري للتوسع؛ ليغطي التربة السطحية الخصبة ويخنق الموارد الطبيعية. أما ازمة التنوع البايولوجي (التي يرى الكثير من العلماء أنها تهديد لا تقل خطورته عن المأزق المناخي) فسببها في المقام الأول- تحويل الحياة البرية إلى الزراعة والمدن الصناعية والمباني السكنية. بقيت البشرية لسنوات طويلة على استعداد لقبول هذا الجانب البيئي السلبي مقابل الفوائد الملموسة للكونكريت؛ لكن التوازن قد بات اليوم يميل الى الجانب المعاكس. 
 
 عمارة الكونكريت الوحشية 
ما زال البانثيون وملعب الكوليزيوم خير شاهدين على متانة الكونكريت؛ وهو خلطة من الرمل والحصى (أو الحجارة) والماء، ممزوجة برابط من الاسمنت والحجر الجيري. أما الرابط البديل المصنّع الحديث- اسمنت بورتلاند؛ فهو منتوج نال “جوزيف أسبدين” براءة اختراعه كشكل من أشكال “الحجر الاصطناعي” عام 1824 في ليدز. ولاحقاً اضيفت اليه قضبان الحديد أو المشبكات لانتاج الكونكريت المسلح؛ الذي صار أساس تشييد ناطحات السحاب.  بعد الحرب العالمية الثانية انتجت كميات هائلة من الكونكريت المسلح؛ إذ قدم طريقة بسيطة وقليلة الكلفة لاعادة بناء المدن التي هدمها القصف. كانت تلك حقبة رواد “العمارة الوحشية-Brutalist architecture” (التي ظهرت أواسط القرن الماضي، وقدمت مباني بسيطة التكوين مواد بنائها واضحة دون تغليف، وفضلت الكونكريت الظاهر). ومن أهم روادها المعماريين: الفرنسي- السويسري “لي كوربوزييه”؛ تلاهُ البرازيلي “أوسكار نيماير” مصمم المنحنيات المستقبلية ذات التدفق الحر، وخطوط الياباني “تاداو آندو” الأنيقة.. ناهيك عن مجموعات متزايدة من السدود والجسور والمطارات والقاعات ومباني الجامعات ومراكز التسوق ومواقف السيارات الكئيبة المتشابهة. في خمسينيات القرن الماضي كان انتاج السمنت موازياً لانتاج الحديد، ومنذ ذلك الحين تضاعف الانتاج نحو خمس وعشرين ضعفاً؛ أي- نحو ثلاث مرات أسرع من تنامي الانشاءات المعدنية.  
تتباين آراء الناس والمسؤولين حول منافع الكونكريت التقليدية ومساوئه الكامنة؛ لكنه يبقى وسيلة تقدم النمط والحجم والقوة المناسبة (نوعاً وكلفة) لتلبية حاجات الشعوب. أما المنظور السياسي للخرسانة فأقل انقساماً، ولكنه أكثر استهلاكاً للموارد؛ والمشكلة الاساسية هنا- الامكانيات الكامنة.. فحينما يرتبط السياسيون بالبيروقراطيين وشركات الانشاء؛ يصبح الخليط الناتج ثقلاً لا يمكن زحزحته. يحتاج السياسيون للتبرعات والعمولات من شركات الانشاء ليضمنوا فوزهم الانتخابي، ويحتاج المخططون الستراتيجيون للمزيد من المشاريع لادامة النمو الاقتصادي، أما أصحاب شركات الانشاء فيحتاجون لمزيد من العقود ليضمنوا تدفق الأموال؛ وبالتالي يضمنوا اجور موظفيهم ودوام تأثيرهم في السياسيين. وهكذا نرى الحماسة السياسية الدائمة لمشاريع البنية التحتية (المشكوك فيها بيئياً واجتماعياً) واحتفالات الأسمنت.
 
اليابان تتبنى الكونكريت
المثال الكلاسيكي هنا: اليابان؛ التي تبنت الكونكريت في النصف الثاني من القرن الماضي بحماسة كبيرة؛ حتى وُصِفَ هيكل الحوكمة فيها غالباً بأنه- “دولة التعمير- construction state”. في البدء كان الكونكريت مادة قليلة الكلفة لبناء المدن المهدمة بعد الحرب؛ لكنها شكلت لاحقاً الأساس لنموذج جديد للتنمية الاقتصادية فائقة السرعة: سكك حديد جديدة للقطارات السريعة، جسور وانفاق جديدة للطرق المعلقة، مدارج جديدة للمطارات، ملاعب جديدة لدورة الالعاب الأولمبية 1964 ومعرض “أكسبو أوساكا”، قاعات جديدة للمدن، ومدارس ومرافق رياضية. هذا النهج أبقى الاقتصاد يسير بمعدلات مضاعفة التسارع حتى أواخر الثمانينيات؛ وضمن ارتفاع نسب التوظيف وأعطى للحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم قبضة قوية في الحكم. جرى تقييم أداء رجال المرحلة السياسية الأقوياء (مثل- كاكوي تاناكا وياسوهيرو ناكاسوني وغيرهما) بمدى قدرتهم على جلب مشاريع كبيرة الى مدنهم الأم؛ وكانت الاتفاقات الجانبية أمراً مألوفاً. أما عصابات الشارع “الياكوزا-Yakuza “ فقد نالت نصيبها (بالقيام بدور الوسيط والمنفذ). ضَمَنَ ترتيب المناقصات والسيطرة (التي قاربت الاحتكار) لمؤسسات البناء الست الكبار( شيميزو، تايسي، كاجيما، تاكيناكا، أوباياشي، وكوماجاي) أن تكون العقود دسمة لتغطي عمولات السياسيين.. وباتت “دولة التعمير” تنطلق بسرعة الصاروخ. 
لكن هناك حدوداً لكمية الكونكريت الذي يمكن الاستفادة منه دون تدمير البيئة؛ وتجلت المردودات المتناقصة في سنوات التسعينيات حينما عجز حتى أكثر السياسيين براعة وقدرة على التملص من مواجهة المواقف الصعبة عن تبرير كميات الانفاق الحكومي التحفيزي.. كانت تلك حقبة أنتجت جسوراً باهظة الكلفة في مناطق قليلة السكان، وطرقاً متعددة المسارات بين تجمعات ريفية صغيرة جداً. هذا قاد لنشر الكونكريت على ضفاف الأنهر الطبيعية القليلة المتبقية، وبناء جدران كونكريتية على سواحل البحر كان المفترض أن تحمي أربعين بالمئة من شواطئ اليابان. فاقت كمية الكونكريت الموضوعة في اليابان (لكل متر مربع) مثيلتها في الولايات المتحدة بثلاثين مرة. وكان هناك نوع من “الحتمية” في الموقف؛ فقد صار الكونكريت مرادفاً للتنمية حول العالم.  
 
هل من حلول ؟ 
شعر دعاة الحفاظ على التقاليد والطبيعة بالجزع.. وجرى تجاهلهم. استمر انتشار الكونكريت في اليابان؛ خلافاً للمثل الجمالية الكلاسيكية للانسجام مع الطبيعة وتقدير الــــ “mujo” ( تحولات الطبيعة وعدم الثبات). كان ذلك أمراً مفهوماً؛ نظراً للخوف الدائم من الزلازل والتسونامي في واحدة من أكثر الدول نشاطاً زلزالياً. اتفق الجميع بأن السواحل والضفاف المحاطة بالكونكريت كانت قبيحة المنظر؛ لكنهم لم يُبالوا طالما بقيت منازلهم سليمة.   وهذا ما ضاعف وقع الصدمة التي أحدثها زلزال سنة 2011، وأعقبه تسونامي؛ حينما سقطت الجدران الكونكريتية (التي استغرقت عقوداً في التشييد) خلال دقائق، ومات نحو 16 ألف شخص. 
لقد حان وقت مغادرة “عصر الكونكريت”، وعدم التفكير بشكل المبنى قبل تأثيراته البيئية.. يرى المعماريون ان الحل يكمن في جعل المباني أبسط وأصغر حجماً، واستخدام مواد اخرى (مثل الخشب) في الانشاء. يقول المعماري “أنتوني ثيسلتون”: “الكونكريت جميل ومتعدد الاستخدامات؛ لكنه للأسف يحقق جميع شروط التدهور البيئي. وعلينا مسؤولية التفكير بجميع المواد التي نستخدمها ونفهم تأثيرها الأوسع في البيئة”. 
 
جوناثان واتس- الغارديان البريطانية