وطن المآذن والنواقيس

الأحد 28 نيسان 2019 178

وطن المآذن والنواقيس
حسن العاني 
 
قصاصات ورق متناثرة بين أوراقي، تاريخها يشير الى عقدٍ مضى، وملاحظات كتبتها في لحظة حزن تقطر حزناً، فثمة دماء بريئة أراقها القتلة وأعداءُ الحياة في كنيسة (سيدة النجاة)، وثمة هوامش ورسائل لم تكتمل، كانت أشبه باعتذارات موجهة الى حبيباتي وأصدقائي المسيحيين الذين غيّبتهم الغربة، ما كان الحزن وحده كافياً بعد أنْ عاشرني (الحياء)، لأنَّ من يباهون بعنف جريمتهم يحملون افتراءً (عراقيتي)، وافتراءً يحملون (ديني)، أنا أستحي يا أحبة الروح حتى من أسمائهم، وإنْ كانت زوراً وبهتاناً على البلد الذي تجاورت فيه المساجد والكنائس منذ أنجبت السماء هذا المولود الجميل... العراق.
.. قافلة أخرى من التوابيت تنهضُ على الأكتاف، 1-2-3 وما زال السلام الجريح أعداداً تواصلُ رحلتها المهيبة صوب السماء حيث يقيم الرب مائدة الشهداء وأنت المأخوذ بالحياء.. لا حيلة سوى الاعتذار من صفية الروح (مريم السناطي)، هم القتلة – أنتِ تعرفين – ولسنا نحن، وتعرفين يوم تمنيتُ الموت يوماً لم أطلب غيركِ إمرأة تبكي موتي، ويستفيق وجعي على آخر مكالمة (طمنّي أبو عمار.. 
شلون صحتك.. وضعك.. شلون الأهل.. شلون بغداد شلون العراق.. شلون) وذوى الصوت القادم لا أدري من أي بلاد الله بين الأسلاك المنهكة، وانقطعت أخبار من اصطفيتها رثاءً لموتي، 4-5-6، شهيد سابع في الطريق، هم القتلة يا روفائيل، أستحي يا (جميل روفائيل) أنْ أقول أنتم ونحن، فما كنا يوماً ضميرين منفصلين، هل كان يهاتفني ساعتها من بلد يتشظى، من يوغوسلافيا؟ ويعيد رجاءه بما يقرب من التوسل (أبو عمار.. مشتاق أشوفك.. تعال أنت والعائلة يمي ولو شهر واحد) (جمولي وحياتك كلش تعبان.. وبعدين آني أكره السفر والطائرات).. يضحك (وداعتك تكاليف السفر والطائرة والإقامة كلها على حسابي) وترنحت، ربما ارتجت أسلاك الهاتف تحت ضحكة موحدة (لا يا خبيث) وتعالت الضحكة الموحدة بين بغداد ويوغوسلافيا، ثم انقطعت أخباره مثلما تفعل الأقدار معي دائماً، ثم يرتعدُ قلبي وجعاً على خبر بثته إحدى الفضائيات تنعى فيه القلم المبدع جميل روفائيل الذي سرقته الغربة فمات وحيداً عن عيون أحبته، والجثامين التي ما عدت أعرف أعدادها تغادرُ سيدة النجاة الى مائدة الرب، وحلوى وورود وآس وأغصان زيتون وهلاهل تودع السلام الشهيد، ويسبق الدمعُ الحياء.. 
لا علاقة لنا يا (أبو نصري)، أعرف بالتأكيد أنك تصدقني، ومع ذلك صّدقني: هُمْ ولسنا نحن، وتبدأ الرحلة من بغداد الى كردستان، أربيل القلعة والمئذنة المظفرية وعينكاوه أحلى حلوات المدينة، الكل يحتفي برفيق الكلمة والصحافة (رياض شابا)، وأحدُهم بعد الذي لا أذكره من الزمن يتصل بي (تحيات حاره من أبو نصري، رياض شابا، هذا رقم هاتفه الجديد)، ولكن (شابا) خارج نطاق
 المعرفة..
 تلك هي الحال يا صديقتي الحلوة (ألس موشيخ)، لا أقدم التعزية الى أحد لأنه عزائي، ومع ذلك يا الغالية ألس فأنا مسكونٌ بذنب لم أقترفه ولم نقترفه، هاتفها يستقبل عبارتي اليتيمة (ماذا يمكن أنْ أقول) وهاتفي يرحب بصوتها الأحب الى تاريخي وذاكرتي (لا تقل شيئاً.. لا أحد مطالبا بالاعتذار، أقرأ هويتهم وستعرف- الديانة : قاتل – القومية: قاتل المهنة: قاتل) وساد الصمت الهواتف إلا من نشيد الحياة وصلاة لوطن المآذن والنواقيس.