مدنٌ تصمم أحلاماً مختلفة للمستقبل

الأحد 28 نيسان 2019 170

مدنٌ تصمم أحلاماً مختلفة للمستقبل
جاستين هايينبوتوم   
ترجمة: مي اسماعيل
هدمت داعش جزءا كبيرا من ماضي المدن التي احتلتها؛ فكيف يمكن أن تحدد اعادة الاعمار مستقبلها، وكيف تحوّل المنشآت الحضرية عواصم اقتصادية متهالكة الى مناطق متجددة؟ 
درس المعماري الفيلبيني “فلينو جون بالافوكس” التصميم في جامعة هارفارد، بعد سنة من هجمات 11 أيلول؛ حينما كان التصميم لمواجهة الكوارث يحتل أفكار الجميع. واليوم يرغب بالافوكس باستحضار دروس ما بعد ارهاب مانهاتن الى مدينة “ماراوي” الفلبينية، التي عاشت صراعا دام شهرا بين مسلحي داعش والقوات الفلبينية، انتهى أواخر سنة 2017. لا يرغب بالافوكس ببناء ما تهدم فحسب؛ بل يقول؛ مستعرضا الامكانيات التي يحلم بها لمستقبل ماراوي: “مدينة أكثر ذكاءً واستدامة وصديقة للبيئة، وأكثر مطاوعة للمشي واستخدام الدراجة الهوائية”. 
ليس بالافوكس وحيدا في هذا المجال، ولا مدينة ماراوي.. فقد تركت أشهر (وأحيانا سنوات) من الحصار والصراع مع داعش مراكز حضرية كبيرة في الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا خرابا.. فما تبقى من ماراوي مباني كونكريت مليئة بالثقوب؛ وكأنّها زخرفة عشوائية. تشهد العديد من تلك المدن الآن (بعد استعادتها من داعش) أول بارقة لإعادة التعمير؛ ويحاول سكان مدن أخرى ومراقبون ووكالات دوليّة ومصممون التغلّب على التخطيط قصير النظر وخلق فضاءات حضرية جديدة لا تخاطب الهموم الانسانية فحسب بل تحمي الشواخص المتميزة وتسهم بردع الراديكالية المستقبلية وتفعيل التطور الاقتصادي. 
 
تصاميم مستدامة 
فازت المخططة الحضريّة البولندية “آنا اوتليك- Anna Otlik” سنة 2017 بجائزة “رفعت الجادرجي” (تكريما للمعماري العراقي الرائد) عن مشروعها: “اعادة التوطين “Re-Settlement”  لتشجيع التصميم المرن لمدينة الموصل؛ التي وقعت تحت سيطرة داعش لثلاث سنوات قبل طردهم منها سنة 2017، بعد معارك استمرت نحو عام. يدعو مشروع أوتليك السكان لتصميم شكل وحجم مساكنهم بأنفسهم؛ بواسطة مخططات قياسية واستخدام الركام والطين (وهي المواد الوحيدة التي لا تعاني شحة). وضمّت المسابقة مخططات لمعماري آخر عن جسور كبيرة توفر مساكن ومزارع حضرية تمتد عبر نهر دجلة؛ وتحاكي الجنائن المعلقة. 
يريد بالافوكس اعادة بناء المحلات السكنية لمدينة ماراوي بنمط معماري أكثر انفتاحا وتجديدا، بدلا من المنازل متعددة الأسر المتراكمة لمجمعات سكنية محاطة بجدران عالية؛ وهو الاسلوب الغالب للمدينة التي أسسها الاسبان منذ نحو أربعمئة سنة. هذا المقترح جزء من مخطط شامل قدمه الى الحكومة الفيلبينية، لتطوير المدينة القريبة من بحيرة لاناو. ويشمل مخططه أفكارا عن: مماشي وأرصفة أكثر اتساعا واضاءة بدلا من الازقة المظلمة الملتوية كالمتاهات، ومرافق حضرية أفضل تصميما لمنع وقوع الاضطرابات، وتنمية اقتصادية قرب البحيرة لجلب المستثمرين والوظائف؛ مع تخصيص موقع لاقامة نصب تذكاري تخليدا للمعركة.   
 
كوباني ومثيلاتها
اما مدينة كوباني (شمال غرب سوريا) فتقيم حكومتها المحلية بنى تحتية قد تبدو أساسية؛ لكنها لم تكن موجودة حتى قبل سيطرة داعش على المدينة لستة أشهر (بين أيلول 2014 وآذار 2015). يرى “بريفان عيسى”؛ رئيس “مكتب الشؤون الإنسانية” ومنسق عمليات الاغاثة للمدينة؛ أن سوريا أهملت قبل الحرب تطوير مناطق الأغلبية الكردية. والآن تحاول حكومة المدينة (بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي دافعت ميليشياته عن المدينة) تحقيق الاعمار؛ ببناء المدارس ومشاريع الماء والصرف الصحي للمناطق المحرومة. وبني مركز للمرأة، لتوفير فرص عمل ودراسة. يقول عيسى: “نحاول إدخال أفكار جديدة ومشاريع لتطوير مدينتنا تدريجيا”. 
هناك العديد من التحديات؛ منها غياب التمويل وتجاهل الحكومة للمقترحات التصميمية (ذات المسار التراكمي) التي قدمها مصممون وسكان المدينة. يقول بالافوكس إن مشاريع اعادة اعمار ماراوي أحيلت لمقاولين مختلفين من القطاع الخاص دون مخطط عام ليسيروا بموجبه. ومن ثم سيتبع المقاولون والمطورون (بغياب التشريعات الحازمة) مسار الكسب المالي بدلا من التناغم الاجتماعي المطلوب؛ ويحذر قائلا: “يشعر غالبية المخططين بالقلق”. 
تبدو الحلول التصميمية التي قدمتها “أوتليك” وغيرها بلا معنى لأغلب سكان الموصل، الذين يكافحون الآن من أجل المأوى الأساسي؛ كما يقول “دلشاد علي” من منظمة “الاغاثة الاسلامية” الانسانية: “سيكونون محظوظين لو استطاعوا اعادة منازلهم كما كانت سابقا”. تسير جهود اعادة الاعمار ببطء؛ وفيما يعمل علي ومنظمته لاعادة المرافق الأساسية، ينتظر السكان مبالغ التعويض عن الاضرار التي لحقت بهم. قد لا تأتي الأموال أبدا، والحكومة لا تقول ذلك صراحة؛ ما يرفع آمال الناس بلا طائل.. يمضي دلشاد قائلا: “يتلاعب السياسيون تقريبا بالموضوع؛ فلا توجد أموال..”. بالفعل؛ لم يفلح مؤتمر الكويت مطلع العام الماضي بجمع أموال المانحين لاعادة الاعمار سوى بالفوز بالتزامات قيمتها نحو ثلاثين مليار دولار، فيما طلبت الحكومة العراقية 86 مليار دولار. وكانت النقطة الايجابية الوحيدة اعلان منظمة اليونسكو خططا لقيادة حملة لاستعادة معالم المدينة. ويحذر دلشاد من أن الزمن عامل حاسم هنا؛ بشحة فرص العمل والخدمات الاساسية. فما زال السكان يستخدمون منازلهم المدمّرة ليتحاشوا العودة الى مخيمات النزوح. واذا لم يمتلكوا المال لاعادة بنائها؛ فسينقمون على الحكومة، ويعود التوتر كوقود ممتاز لإذكاء الخلافات الطائفية.
 
مدن تعاود السير 
يشكل التمويل تحديا لكوباني أيضا؛ فهي فعليا جيب من الحكم الذاتي خارج قبضة الدولة السورية. وتتلقى المدينة مساعدات قليلة من المنظمات غير الحكومية وأفراد الشتات الكردي؛ لكن الأمر متروك للشركات المحلية والحكومة الجديدة ليقرروا كيف وماذا يبنون. والجميع؛ مثل المصممين وغير المنتفعين والسكان، والحكومات المحلية (كما في كوباني)؛ يكافحون ضد كل الصعوبات الممكنة بكل طاقاتهم. وببساطة؛ لا يوجد خيار سوى اعادة التعمير من الصفر. شعر دلشاد بالذهول بعد زيارة الى الموصل اواخر العام الماضي؛ فالحرب انتهت؛ لكن الدمار باقٍ. وخسرت المدينة القديمة، إذ وقع القتال الأعنف؛ نحو تسعين بالمئة من الدور في بعض الشوارع، و”ما زال الوضع فظيعا”. 
من جانب آخر؛ جرى تكليف بالافوكس لبناء عدد من مساكن مدينة ماراوي (التي تقع بنحو 610 أمتار فوق مستوى سطح البحر). حافظت تصاميمه على جوانب العمارة الإسلامية التقليدية لماراوي؛ وأدخل عليها الابتكارات الحديثة لضمان المرونة للتوسع الإضافي كي يواكب نمو الأسرة. فاذا احتاجت الاسرة فضاءات أكثر أو كسبت مالا؛ يمكن اضافة طابق آخر بسهولة، اقتباسا من اسلوب المجمع السكني الفيلبيني التقليدي. لقد دمجت الجهود الحكومية لإعادة اعمار كوباني البنى التحتية العامة بنصب تخلد تضحيات المدينة. فعند حدود المدينة اقيمت مقبرة للشهداء الذين سقطوا أثناء القتال، وهناك ونصب يقع وسط المدينة لمقاتلة كردية لها أجنحة ملاك، وقربه دبابة معطلة استخدمها داعش. فرغم الجراح والندوب؛ تستعد تلك المدن لتعاود السير قدما من جديد.
 
موقع “أوزي”