الجاسوسة التي قفزت الى الألب بالمظلة لقتال النازيين

الاثنين 29 نيسان 2019 355

الجاسوسة التي قفزت الى الألب بالمظلة لقتال النازيين
لاري لوفتيس
ترجمة: أنيس الصفار
كان العام هو 1942 والحرب العالمية الثانية في أوج اشتعالها حين قررت “أوديت سانسوم” أن تحذو حذو والدها؛ بطل الحرب، وتصبح عميلة لجهاز يطلق عليه “منفذو العمليات الخاصة” أو (أس أو إي) من اجل مساعدة بريطانيا ووطنها الاصلي الحبيب؛ فرنسا. بعد خمس محاولات فاشلة وتحطيم طائرة أفلحت أخيراً في الهبوط داخل فرنسا المحتلة لتبدأ مهمتها، وهناك التقت بالضابط الذي تولى قيادتها، الكابتن “بيتر تشرتشل”.
نفذ بيتر وأوديت بنجاح المهمات واحدة تلو أخرى, وخلالها وقعا في حب بعضهما، وعلى طول الخط كان يلاحقهما، بلا هوادة، عريف الشرطة السرية الألمانية، الداهية “هوغو بلايتشر”، حتى تمكن من القبض عليهما في نهاية المطاف. 
أرسل الاثنان الى سجن “فريزني” وسط باريس، ومن هناك الى معسكرات الاعتقال الألمانية إذ أخضعا للتجويع والضرب والتعذيب، ولكنهما رغم كل اليأس الذي واجهاه لم يتخليا أبداً عن الأمل ولا عن حبهما أو بحثهما الحثيث عن مصائر زملائهما.
يسرد علينا الكاتب “لاري لوفتيس” هذه القصة المذهلة، قصة المقاومة والحب، من خلال روايته المعنونة “كلمة السر ليزي: القصة الحقيقية للجاسوسة التي اصبحت صاحبة أعلى وسام في الحرب العالمية الثانية”، ومن تلك الرواية نقتطف هذه المقاطع:
 
لندن
صباح يوم 15 نيسان استدعى الكولونيل “موريس باكماستر”، مدير جهاز “منفذو العمليات الخاصة”، بيتر الى مكتبه ليبلغه أن آرنو قد ارسل احداثيات منطقة الانزال بالمظلة. نشر الرجلان خارطة أمامهما وتوقف بيتر متأملاً حين رأى النقطة المقررة لهبوطه .. كانت قمة جبل يبلغ ارتفاعها اكثر من 5500 قدم.
مسح وجهه براحة كفّه وقال: “ستروث! لا شك انهم أخذوا بقولك حرفياً حين قلت لهم إنّي مستعد للهبوط عند أي مكان”.
القفز بالمظلة أسهل بالتأكيد من إلقاء نفسك بزورق الى البحر من حافة صخرة يزيد ارتفاعها على 700 متر قبالة ساحل “كان”، ولكن الأمر هنا مختلف. 
فالدخول الى فرنسا بحراً خلال ليلة رأس السنة كان أمراً فيه مجال للتصرف، لأن الزورق لو انقلب به كانت ستبقى لديه فرصة الوصول الى الساحل سباحة، أما إلقاء نفسك من طائرة تطير بسرعة تفوق 300 كيلومتراً في الساعة وسط جوف ظلام حالك على أمل الهبوط على رأس دبوس فإنه الانتحار بعينه ولكن باسم 
ملطّف.
قهقه باكماستر ضاحكاً ثم نظر ثانية الى القمة الجبلية وقال: “الألب كلها أمامك”.
اتفق الاثنان أن يقلع بيتر خلال تلك الليلة لأن القمر لم تبق من عمره إلا ثلاث ليال فقط، وخلال الاستعداد للعملية التقى بيتر بملاح طائرة هاليفاكس الكولونيل “فيليب ليفري ليفل”.
قال ليفل وهو ينقر باصبعه على الخارطة: “هذه القمة ليس فيها ما يجعلها اصعب من غيرها. لقد القيت 57 زبوناً قبلك حتى الان وإذا ما التزمت بالقفز لحظة اشتعال الضوء الاخضر فإنّي مستعد لانزالك فوق قطعة نقدية”.
ابتلع بيتر هذا التفاخر بعد رشه بقليل من الملح، لأنّه سيكون سعيداً محظوظاً اذا ما حطَّ فوق الجبل المقصود ولم يخطئه كلياً، وهو يقفز ليلاً وسط سلسلة جبال جورا من ارتفاع شاهق مع احتمال هبوب رياح.
 
الخنفساء الذهبيَّة
بحلول الساعة 7:15 مساءً جلس ثلاثة أشخاص؛ أوديت وآرنو وجان كوتيت، وقد أدنى كل منهم رأسه من جهاز مذياعه يصغون بانتباه على أمل سماع الرسالة المشفّرة التي ستبث عبر إذاعة “بي بي سي”. مع ابتداء نشرة “بي بي سي” الاخبارية باشر الألمان أيضاً عملية تداخلهم المقابل بالتشويش على الموجة بصوت كالمواء يعلو ويهبط. وعندما حانت الساعة السابعة والنصف إلتقطت أوديت الرسالة المنتظرة بالفرنسية، وهي تقول: “الخنفساء الذهبيّة تزيّنت للربيع”.
المعنى: “بيتر آت اليكم في الطريق”.
جمعت أغراضها ومضت تفتش عن آرنو حتى عثرت عليه داخل الحانة جالساً مع جان وسيمون. سألته: “لم لا أراك مستعداً؟”
“مستعداً لماذا؟”
“إنه آت! هيا بنا!”
“ماذا تعنين بأنّه قادم؟”
“ألم تسمع الرسالة؟”
رمقها آرنو وجان بنظرة تساؤل ثم قال آرنو إنه كان سيسمع لو كانت هنالك بالفعل رسالة.
أقسمت لهما أوديت أنّها سمعتها مكررة مرتين. قالت لهما إنهما إن لم يذهبا معها فسوف تذهب بمفردها.
استجاب آرنو وعرض جان أن يتولى هو قيادة السيارة فقالت سيمون أنها تريد الذهاب معهم أيضاً. دقت الساعة الثامنة والنصف فأدار جان محرك سيارته بعد أن حملها بأحذية وقمصان صوفية وانطلقوا. 
قبل بلوغهم منتصف الطريق هبطت قدرة السيارة بمقدار 30 بالمئة فلم يستطيعوا التقدم أبعد من ذلك. لذا ترتّب على أوديت وآرنو ان يكملا الطريق سيراً.
قرر جان وسيمون الذهاب معهما وقادهم جان الى طريق قال انه يوصل الى 
القمة. 
وبحلول الساعة التاسعة بدأوا بتسلق المنحدر الحاد، ولكن كانت هناك مفاجأة، فالقمر المضيء واقع على الجهة الاخرى من الجبل لذلك لم يكن باستطاعتهم رؤية الثلج الذي يغطي طريقهم. أسوأ من ذلك أن جان اعترف لهم بأنه ليس واثقاً من الاتجاه الذي ينبغي السير فيه.
نظرت أوديت حولها فوقعت عينها على عمود تلغراف. قالت: “انظروا! أنا أتذكر ان هذه الاعمدة تتوالى وتستمر الى اعلى الجبل حتى تنتهي الى القمة. بل إن هناك عموداً عند النقطة التي اخترناها للهبوط بالضبط، ألا تتذكر هذا يا آرنو؟”
قال آرنو إنه يتذكر العمود الذي عند القمة ولكنه لا يتذكر الاخرى المتتابعة، فأكدت لهم أوديت أنها تعلّم ما هي فاعلة ثم تقدمتهم. مضوا بالمسير ارتفاعاً يجتازون صخوراً ويدورون حول اخرى، وهم يلهثون ويجهدون لأخذ أنفاسهم كلما ازداد الارتفاع. وبالاقتراب من الساعة الواحدة والنصف لاحت لها القمة المغطاة بالثلج تسطع تحت ضوء القمر أمامهم على بعد ثمانمائة متر او اكثر قليلا.
“أنظر يا آرنو! أنظر!”
دققت النظر الى ساعتها للتأكد من الوقت فرأت ان بيتر قد يصل خلال اية لحظة الآن، ومن دون إشعال النار قد تمر الطائرة وتمضي.
قالت متضرعة: “يا رب، اجعلني اسبق الطائرة!”
أخذت تحث الجميع على الاسراع متذكرة ما قاله لها بيتر ذات مرة عن اجتياز المسافات على أرجل متعبة. قال لها: “حين تتبقى أمامك عشر خطوات وتقطعين منها تسع عندئذ فقط يمكنك القول انك قطعت نصف الطريق”.
بقيت تحث اصحابها للتسابق نحو القمة وهناك دخلوا سقيفة صغيرة واخذوا يخرجون الخشب منها استعداداً لإشعاله. وعندما بدأ آرنو يصب الوقود عليه خارت قوى أوديت وألقت بنفسها على الثلج وقد نال منها الانهاك والتعب.
أشعل آرنو النار ثم استدار ينظر الى السماء باتجاه الشمال ولم يلبث ان هتف: “ها هي قد وصلت!”
وصلت الطائرة
استدارت العيون جميعاً باتجاه السماء وأخذوا يتابعون طائرة هاليفاكس وهي تقطع منطقة الهبوط بخط مائل. لم يسقط من الطائرة شيء وهي تمضي نحوهم فوق رؤوسهم مباشرة قبل ان تستدير ببطء باتجاه الشرق.
قالت أوديت: “يا إلهي! لم أعد استطيع التحمّل. بعد كل هذا العناء ها هم يعيدونه الى أرضه مرة أخرى”.
القى بيتر نظرة سريعة نحو مقدمة الطائرة فرأى الملّاح منكباً ينظر بتركيز عبر الزجاج. فجأة هتف الملاح: “أرى ناراً أمامنا، فليأخذ كل موقعه!”
مالت الطائرة جانبياً لتتخذ مساراً فوق قمة “هوغ باك” وربت المرسل على كتف بيتر ثم أوصل الرباط المتصل به بالحبل الثابت. اشتعل مصباح التنبيه فاتجه نظر بيتر الى الفجوة، لاحت له جبال مكلّلة بالثلج تمر من تحته مثل اكوام من القطن، وبدأت الطائرة تخفض تسارعها بإنزال الجنيحات، وشعر بيتر بذلك الشعور المعهود عنده بالاثارة، دغدغة تصل اعماقه كأنّ هناك فراشات تطير بجنون في جوفه. خلافاً لكل قفزاته السابقة كانت هذه تتطلب توقيتاً عالي الدقة الى حد جزء الثانية. فإذا ما تلكأ ولو قليلاً بعد انطلاق الاشارة سوف يهبط على قمة أخرى غير القمة المقصودة، أو ربما سيتدحرج ساقطاً من سفح سحيق.
 
صرّ على اسنانه بشدّة وانتظر.
أخيراً اضاء النور الأخضر وعلى الفور القى بنفسه خارجاً. بعد ذلك بلحظة انفتحت مظلته ثم مضى يتابع خمس مظلات اخرى وهي تنفتح وراءه حاملة صناديق التجهيزات.
جذبه منظر الألب المهيب وبحيرة آنيسي واستحوذ عليه لعدة ثوان ثم عاد فحول نظره الى الاسفل متململاً بين شبكة اشرطة المظلة.
يا للملاح الاخرق .. “إني مستعد لانزالك فوق قطعة نقدية”. لكن بيتر كان يهبط بالفعل فوق قطعة نقدية، فتحته بالضبط كانت هناك نار مشتعلة!
شدّ الاشرطة الى الامام لإفراغ المظلة من بعض الهواء فانسابت به مبتعدة الى الخلف ولاحت له هيئتا شخصين تحته. أضخمهما حجماً، والذي افترض أنّه لا بدّ أن يكون آرنو، كان يعدو وراء احدى مظلات التجهيزات.
بينما هو عائم هكذا بين تيارات الهواء رأى انه أخذ يهبط الان مباشرة فوق الشخص الثاني، وهو أوديت كما يبدو التي كانت ترفع نظرها الى السماء متفرّسة تبحث وسط المظلمة.
ناداها قائلاً: “هلو ليزي، هلا تراجعتي خطوة الى الوراء كي لا أحط على رأسك؟”
ندت عنها صرخة وخطت الى الوراء وقد فتحت ذراعيها للامساك به.
جاء بيتر سابحاً واستقر بين ذراعيها فاحتضنته أوديت بقوة وهي تهمس في أذنه بعذوبة: “بيير، بيير.” نغمة صوتها انبأت بيتر بكل ما يحب أي رجل ان يسمعه.
أقبل آرنو مهرولاً وهو يهتف: “يا ميشيل المقدس!” ثم احتضن بيتر كمن يحتضن أخاً عثر عليه بعد طول ضياع، فابتسم بيتر ابتسامة عريضة ولف ذراعاً حول كل من هذين الشخصين الأحب الى قلبه.
بعد ذلك بلحظات وصل جان وسيمون، ومضى آرنو وجان لالتقاط صناديق التجهيزات الخمسة، وبعد ان أودعوها نزلاً قريباً مهجوراً لملموا المظلات وألقوا بها في النار. 
وبينما هم يسيرون بقيت أوديت وبيتر كلاهما يشبك ذراع الاخر، وهي تقص عليه ما فاته الاطلاع عليه خلال الاسابيع الثلاثة الاخيرة. أخبرته بأن الخيانة قد وقعت من “روجر بارديت”، وهو الرجل الذي سبق لها أن حذرته منه، وليس من “مارساك”، وأن اختفاء بارديت منذ ذلك الحين دليل كاف على ذنبه.
 
سقوط اوديت
عادوا الى النزل المهجور وطفق آرنو يفتح الصناديق بحماس طفل عند ليلة عيد الميلاد، كان بداخلها متفجرات ديناميت وغدارة من نوع “ستين” مموّهة على شكل غصن شجرة فضلا عن مسدسين اوتوماتيكيين من نوع “كولت” ومسدس بلجيكي الصنع وأمشاط ذخيرة وقطع جهاز لاسلكي وبلورات وبطاريات وبذلتين ومعطف مطري مع زوجين من الاحذية وزوجين من القفازات من جلد الغنم. ارتؤوا ان يبقى احدهم مع هذه التجهيزات خلال الليل وأعلن آرنو عن سروره بهذه المهمة.
كانت الساعة قد بلغت الرابعة صباحاً وبدأ بيتر وأوديت وجان وسيمون رحلة النزول، وعندما رأى بيتر شدّة المنحدرات، التي توشك احيانا أن تكون عمودية، أدهشه كيف تمكنوا من صعودها. تراءى له ان النزول لو كان خلال ساعات النهار لأمكنه الاستعانة بالحبال. 
كان مصباح بيتر اليدوي معهم. 
أمسكت أوديت بيد بيتر وحاولت ما أمكنها أن تسلك المسار نفسه الذي اوصلهم الى القمة، بيد أن الصخور والثلج والظلام جعلت من المستحيل تتبع آثارهم رجوعاً. رغم هذا واصلوا السير متنقلين من صخرة الى صخرة.
كانت أوديت تخطو بحذر شديد وهم يسيرون على حافة جرف شديد الانحدار، كل ذلك كان دون أدنى صوت.
لكن، فجأة تعثرت قدمها بكتلة ثلج، فسقطت باتجاه الهاوية، وأدى وزنها الى انفلات يدها من يد بيتر الذي بقي ينظر بجزع اليها وهي تسقط. إرتطم جسدها بصخرة ناتئة فتقلبت وسط الهواء كالكرة او مثل دمية من خرق. وعلى عمق 30 قدماً تحتهم سمعوا صوت ارتطام مكتوم هلعت له قلوبهم.
ما بين انزلاق وانحدار اسرع الجميع ينزلون المنحدر. كان جان اول من وصل اليها وروعه ما رآه، فقد كان جسد أوديت مرتمياً في تقاطع مع جذع شجرة ساقطة. أخذ رأسها بين يديه فرأى انها غائبة عن الوعي، ولم يلبث أن وصل بيتر بعده بثوان واشعل المصباح أمام وجهها، كانت زرقة وجهها مثل زرقة الاموات. قبض على حفنة من الثلج ودعك به وجهها ورقبتها.. فلم يحدث شيء.
أخذ يصفع وجنتيها براحة يده.. فلم يحدث شيء.
ناداها: “ليزي .. ليزي .. إنطقي بحق السماء!”
دعك جبينها بمزيد من الثلج .. فلم تبد منها ادنى استجابة.
كان بيتر يخشى الاسوأ، لأن السقطة كانت قاسية ويبدو أن أوديت قد اصيبت بكسر في الظهر. كانت تتنفس دون ان تبدي اية استجابة. 
بحث جان عن قنينة الماء التي يحملها معه وبدأ يسكب منها بضع قطرات في فمها.
شهقت أوديت ثم فتحت عينيها وقالت: “ماذا ننتظر؟” وعلى الفور نهضت واقفة مستعدة للتحرك. بيد أن أوديت لم تكن بخير، رغم هذا التظاهر.. فهي قد اصيبت بارتجاج في المخ كما تحطمت لها فقرة عند منتصف عمودها الفقري. لم تخبر احداً عن شدة الالام التي تقاسيها وواصلت الجماعة تحركها قدماً.
 
عن مجلة “ديلي بيست” الأميركية