رمضان ليالي سمر وفرحة اطفال

الثلاثاء 07 أيار 2019 192

رمضان ليالي سمر وفرحة اطفال
بغداد / سها الشيخلي   
عرفت العائلة العراقية بقدسيتها لشهر رمضان وكان الاطفال عندما يبلغون العاشرة من العمر يطلب ذووهم ان  يؤدوا الصيام وكل ما يتعلق به من فروض الطاعة ، ذكريات عطرة ونفحة ايمان لا تجاريها نفحة حيث تجتمع العائلة عند مائدة الافطار. 
انها تذكرنا بايام بغداد الجميلة ولياليها المباركة يحدثنا العم سعيد المعلم المتقاعد عن  شهر رمضان ايام زمان، لكنه يخبرنا انه برغم من كون اسمه سعيدا فهو لم يجد السعادة او يلتقي بها الا في ايام شهر رمضان ويقول ان هذا الشهر كريم بعطائه المبارك وايامه ولياليه التي احتفظت بذكريات جميلة عن بغداد  القرن الماضي والتي كنت اسمعها عن جدي وابي- رحمهما الله- فهو علامة كبيرة في التواصل الديني والاخلاقي والاجتماعي وتتجلى في ايامه ولياليه قوة الايمان بقدرة الخالق على غسل الذنوب وعلى التراحم بين القلوب، ويشير العم سعيد الى انه برغم من تعبه وسنوات عمره الا انه لا ينسى ايام الطفولة وذكرياته في شهر رمضان العم، سعيد يبلغ السبعين من عمره وهو معلم متقاعد يسكن منطقة المهدية في شارع الكفاح وما زال بيته شرقي الطراز ولا يرضى في بيعه بكل اموال الدنيا ويجد في البيوت الشرقية حياة مرفهة وسعيدة ويقول ان طراز البناء الحديث يجعله يختنق من عدم وجود الهواء الطبيعي وخاصة في الصيف وصباحاته الجميلة وان ارضية بيته ما زالت تحتفظ بطابوق الفرشي الذي يجعل الاجواء باردة بشكل منعش ، وانه ما زال ينام ظهرا في السرداب الذي يضع فيه سريرا وفيه مروحة سقفية ويرفض فكرة ادخال التبريد الحديث في سردابه الذي يعتز به كثيرا ويقضي  القيلولة 
فيه.
يحدثنا العم سعيد عن ذكرياته وهو طفل في شهر رمضان فيقول : ما ان بلغت التاسعة من عمري حتى طلب مني والدي ان اصوم شهر رمضان الا ان والدتي اعترضت كون شهر رمضان كان قدومه في صيف بغداد القائظ ، لكن والدي لم ينحن لكلام امي بل اصر على صيامي حتى وان كنت اؤدي 
الامتحان .
 كان والدي  يتمتع بشخصية قوية وله نفوذ كبير في البيت كنت اصغر الاولاد لذلك كانت امي تخشى عليّ التعب او المرض، لكنها امام اصرار ابي وافقت على مضض ، ويواصل  حديثه عن صيامه في شهر رمضان قائلا: تستعد العوائل البغدادية قبل قدوم الشهر الكريم وكنت اذهب مع والدتي الى اسواق بغداد ومنها سوق الشورجة وكانت  لا تبخل في تزيين مائدة الصيام بما لذ وطاب من الاكلات البغدادية الشهية، فتشتري البرغل والحبية والشعرية والنومي بصرة ولا تنسى ايضا تمر الهند وانواع البهارات والكاري والزنجبيل وعرق السوس وقناني شربت الجميلي الطيب المذاق وقمر الدين وشاي الكجرات الذي كان يستخدم ايضا كعصير مثلج يشرب الى جانب شربت قمر الدين ويؤكد  ان كل هذه العصائر طبيعية ولا تؤذي المعدة كونها خالية من المواد 
الحافظة .  وكان والدي يخصص لشهر رمضان افخر انواع الرز العنبر مع الدهن الحر وقناني زيت الزيتون ، وكنت اثناء وجودي مع امي في الشورجة اقوم بنقل كل تلك المشتريات الى الرصيف ولكونها كثيرة وثقيلة كانت امي تودعها عند صديق والدي في الشورجة ليحضر والدي عصرا لاخذها الى بيتنا ، وكنت ارى ان امي تبالغ في شراء انواع من البقوليات والتوابل مع وجودها بكثرة في بيتنا وعندما اخبرها بذلك تنهرني وتقول (لا عليك شهر رمضان يحب التنوع في الطعام ) واذا ما زاد سوف نعطيه لجارتنا الفقيرة . 
ويواصل العم حديثه فيقول اما نحن الصغار فكنا ننتظر قدوم شهر رمضان بلهفة ونبدأ في انشاد الاغاني المرحبة بقدومه لكنني كنت خائفا من عدم استطاعتي الصيام والامتحانات التي صادفت في ذلك العام في بداية شهر رمضان لكنني توصلت الى نتيجة هي انني سوف اشرب الماء خلسة في المدرسة بدون ان يعلم اهلي وكان لي ما اردت كنت اذهب وانا ادعي التعب والصيام ولكن ما ان اصل الى المدرسة حتى تجدني التهم السميط والبادم خلسة ايضا من اصدقائي الذين هم جيراننا ، وكنت اثناء نقلي لصحون الطعام لارصها على المائدة اتناول بعضا من قطع (الكبة او الكباب ) او اصناف الفاكهة ، وكانت والدتي على عادتها ترسل معي بعضا من اصناف الطعام التي تعدها الى جارتنا الارملة، فكنت في الطريق اتناول بعضها ، وعندما يقترب العيد تبدأ العائلة بشراء مستلزماته وملابسه الجديدة ولا ينسى والدي ان يعطي لجيراننا مبالغ بسيطة لشراء لوازم العيد ويجد ذلك واجبا عليه كرب اسرة وصاحب اطفال ، وفي العيد كانت العوائل البغدادية تحتفل به كل على وفق مستواها الاجتماعي والمالي، فكنا نذهب الى المراجيح ودواليب الهواء والفرارات ونشتري كل ما تمنعه عنا والدتنا من عمبة وبيض ونلطخ بها ملابس العيد الجميلة ونتقبل القصاص الذي يعني حرماننا من الذهاب الى المراجيح، فكنا نذهب الى السينما وفي صالة (ابو اربعين) كان الصغار يمثلون الغالبية لنشاهد افلام عنتر وعبلة وافلام الاكشن وهي افلام الكاوبوي ، كان العيد في تلك الايام يعني انطلاقة للمرح واللعب، اضافة لكونه واجبا دينيا مقدسا تحرص العائلة على تنفيذ شعائره بكل دقة 
وامتنان .