صوم الاكياس

الثلاثاء 07 أيار 2019 310

صوم الاكياس
نجم الشيخ داغر
ان من اروع الدروس المستفادة التي تبين الغاية من تشريع الصوم في شهر رمضان المبارك، هو ما قاله الرسول الاكرم ( صلى الله عليه وآله ) لامرأة سمعها تشتم جارتها في نهار رمضان، (كلي)، قالت : يا رسول الله كيف آكل وأنا صائمة ! فقال : (وكيف تكوني صائمة وقد شتمتِ 
جارتك) ! .
نعم ان فعل هذه المرأة ينافي الغاية التي يريد الصيام ان يوصل الانسان اليها، لأنه لا يقتصر على الامتناع عن الاكل والشرب، بل ان هذا صيام الجهلة الخاسرين لكونهم يؤذون أنفسهم بلا طائل كهذه الجارة الشتامة، ولذلك اشار أمير المؤمنين علي (ع) لهذا المعنى بقوله (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والعناء، حبذا نوم الأكياس 
وإفطارهم).
ان الصيام عبارة عن رحلة روحية تستهدف اعادة صياغة الذات بما يناسب أن تكون مؤهلة لأن تنخرط في صفوف الاولياء وازاحة الستائر الغليظة السوداء عن نوافذ العقل والقلب، وبالتالي ولوج شمس الحقيقة اليهما وتفتح عيونهما لابصار ولو جزءا من المعارف الملكوتية المغيبة نتيجة كثافة سحب الذنوب والمعاصي
، ولعل خريطة الوصول الى قطف ثمار هذه الرحلة تكون من خلال ما قاله الرسول الاكرم (ص) في خطبته عند استقبال هذا الشهر الكريم (أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ حَسَّنَ مِنْكُمْ فِي هَذَا الشَّهْرِ خُلُقَهُ، كَانَ لَهُ جَوَازاً عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ فِيهِ الأَقْدَامُ)
، وبما ان الجنة هي رمزية الفوز والنجاح برضا الخالق تبارك وتعالى والشهادة بالتزام الفرد وتحليه بمكارم الخلق، تكون هذه الاخيرة هي السبيل الاسرع للوصول الى السعادة  الابدية وهذا الشهر هو ميدان الانسان لتحقيق ذلك في 
نفسه.
من هذه المقدمة نستطيع القول ان الترجمة العملية لتحقيق ذلك سلوكيا تتمثل بالمعاملة الحسنة مع مختلف طبقات الناس وشرائحهم، اذ لو عمل الموظف مثلا في هذا الشهر بشكل يتناسب مع القدسية التي يصطبغ بها عبر احترامه لاخوته المراجعين وترويج معاملتهم بلطف واحترام، يكون قد تقدم خطوة باتجاه تحقيق الغاية المرجوة من الصيام، وهكذا البائع في السوق وسائق سيارة الاجرة وغيره، ونفس الامر ينطبق على المواطن العادي في تعامله معهم بلطف 
وتهذيب.
 لو استثمرنا هذا الشهر بهذه الكيفية نستطيع الجزم اننا سنكون مشمولين بجميع المكرمات التي اختص بها الله الصائم في هذا الشهر الفضيل، من جعل انفاسه تسبيحا ونومه عبادة وتقبل الاعمال وغيرها، لأننا تناغمنا مع روح الصيام، فيما لو ركزنا على الامتناع فقط عن الاكل والشرب واطلقنا العنان لغرائزنا وجوارحنا نكون اشبه بالمرأة في اول المقال ولقال لنا رسول الله (ص) لو عاد الينا الآن (كلوا)، ولقال لنا امير المؤمنين (ع) (انكم ليس لكم من صيامكم إلا الجوع والعطش)، فيا حبذا صوم
 الاكياس.