كيف أنقذ الغواصون فريق كرة القدم؟

السبت 11 أيار 2019 120

كيف أنقذ الغواصون فريق كرة القدم؟
جويل كورن
ترجمة: شيماء ميران
في سباق ضد ارتفاع منسوب المياه قامت نخبة من المنقذين الذين تم تجميعهم من انحاء العالم بعملية انقاذ مرعبة لإثني عشر لاعبا مع مدربهم من عمق كيلومترين و400 متر تحت الارض.
بعد عدة ايام من فقدان اولاد فريق القدم التايلاندي وسط رابع اطول سلسلة للكهوف التايلاندية خلال الصيف الماضي، بدأت الهواتف الخلوية حول العالم تضيء أشارات الخفافيش الحديثة (وهي اشارة استغاثة عند الحالات الطارئة)، وتم الاعداد لمجموعة منقذين، كان من بينهم رجل اطفاء سابق من مدينة كوفنتري بانكلترا، ومنقذ آخر يعمل مستشارا لتكنولوجيا المعلومات يبعد عن مدينة بريستول الانكليزية 129 كيلو مترا، فضلا عن طبيبين من استراليا، أحدهما بيطري من مدينة بيرث والآخر طبيب تخدير من منطقة أديليد، ومعظمهم كانوا من المحترفين بأعمار متوسطة وغالبيتهم بريطانيون، وتملك هذه المجموعة مهارة فريدة من نوعها كونهم من بين افضل غواصي الكهوف على مستوى العالم.
كانت اتصالات الهواتف قصيرة الى حد ما، فلا يوجد وقت طويل لاستخلاص المعلومات، بسبب تسارع هبوب الرياح الموسمية الذي سيغرق كهف ثام لوانغ بالمياه بسرعة، فيحكم الاغلاق على 12 صبي تتراوح اعمارهم ما بين 11 الى 17 سنة، مع مدربهم وسط قبر مائي. فترك غواصو الكهوف كل شيء، وأسرعوا الى محافظة تشاينغ ري شمال تايلاند لتقديم المساعدة، وانضموا الى فريق الغواصين الدولي المختص من تايلاند والقوة العسكرية وغواصي الانقاذ من اميركا واستراليا والصين وكذلك البحرية الملكية التايلندية، التي كانت المسؤولة عن اعمال البحث وسط تسليط وسائل الاعلام العالمية على الحادث.
يقول طبيب التخدير الاسترالي ريتشارد هاريس (الحاصل على منحة ناشيونال جيوغرافيك)، والذي كان له دور مهم خلال عملية الانقاذ: “قد تكون هناك بضع مئات من غواصي الكهوف في العالم لكن القليل جدا منهم بهذا المستوى، وكان افراد الفريق البريطاني اول من تم الاتصال بهم”.
 
رياضة خطرة
ورغم الوضع اليائس في ثام لوانغ، إلا ان البحرية الملكية التايلندية بمعية الغواصين الاوروبيين المغتربين والمختصين الذين يديرون متاجر الغوص وسط سواحل الجزر التايلندية الخصبة كانوا يكافحون من اجل اجتياز مغارة كبيرة تقع على بعد 800 متر داخل الكهف في نهاية الطريق السياحي النموذجي، واشار احد الاولاد المفقودين قبل ان يختفي الى مغارة تعرف باسم شاطئ باتايا، لكن هذه المغارة اعمق بنحو 800 متر داخل الكهف، والحقيقة أن ما أعاق الغواصين هو سيل المياه الموحلة التي كانت تتدفق من هذا الاتجاه. وكان بن ريمينانتس من اوائل المتطوعين، وهو غواص مغترب بلجيكي من مدينة فوكيت، وقد تحدث لأحد المراسلين يصف المكان بالقول بأنه “كان اشبه بالنزول الى قاع نهر كولورادو والمصارعة بالأيدي للسباحة ضد التيار”.
ولكون هذه الرياضة شديدة الخطورة يميل غواصو الانقاذ للعمل كمتعهدين لاستكشاف الكهوف، وقد اعتادوا على انتشال جثث الموتى التي تعود لأصدقائهم احيانا اكثر من انقاذهم للأرواح، ويعتقد البريطاني جون فولانثان، الذي يعمل مستشارا لتكنولوجيا المعلومات، بأن جزيرة ثام لوانغ قد لا تكون مختلفة، وقد وصل هو وزميله الغواص ريتشارد ستانتون (رجل اطفاء سابق) يوم الاربعاء الذي أعقب فقدان الاولاد يوم السبت، وبدأ الغواصان بدفع جسميهما ضد تيار الماء بحذر وانتظام لتثبيت حبل تسلق سميك على طول المسار الذي يسيران به لكي يتبعهما الآخرون، وعمل كل من فريق الغواصين الدوليين والبحرية الملكية على مدى الاربعة ايام التالية وبواقع 12 الى 14 ساعة لكي يشقوا طريقهم ببطء، وكانوا يتقدمون مترا واحدا خلال كل مرة وسط ظلام حالك، وكانوا يصعدون الى سطح كل مغارة بحثا عن الاولاد.
 
وضع الخطط
وبعد مرور عشرة ايام لم يتمكن الغواصون من العثور على الأولاد، وعدَّ بعض المنقذين ان فرص نجاتهم لا تزيد عشرة بالمئة كأفضل تقدير، وتم تكليف كل من فولانثان وستانتون ليغوصا الى اقصى حد ممكن يصلان اليه في ذلك اليوم باستخدام ضئيل لمزود الهواء. وصل الغواصان الى شاطئ باتايا ولم يجدا الاولاد هناك، ثم واصلا الحفر لمد مزودات الهواء وكانا يغلقان خزانات الهواء عندما يخرجان للسطح لإطالة مدة استخدامها قدر المستطاع. وعند وصولهما الى المغارة التاسعة على بعد اكثر من 2400 متر من المدخل، قاما بنزع قناعيهما، لتداهمهما رائحة كريهة.
يقول فولانثان “لقد ظننا انها رائحة جثث متعفنة”، الى ان أظهر وميض كشافاتهما وجوه الاولاد الهزيلين المبتسمة، وتم تخليد هذه اللحظات بشريط فيديو حيث صورتها الكاميرات المثبتة على خوذهم وانتشر هذا الفيديو بسرعة حول العالم، وكان صوت ستانتون واضحا وهو يحسب عددهم حيث يقف الى الخلف، فيما كان صوت فولانثان هادئا وهو ينادي: “كم عددكم.. 13؟ رائع”.
بحلول اليوم التالي كافح الطبيب مع سبعة من افراد البحرية الملكية لإيصال تجهيزات غذائية وطبية الى الأولاد وبدأوا يحاولون تجشيعهم، وأخبروهم بأنهم سيبقون مع الاولاد حتى النهاية، لكن المعضلة ما هو قادم، إذ كان يتوجب على الاولاد ان يجتازوا ممرات تزيد مسافتها اكثر من نصف كيلو متر مغمورة بالمياه حتى السقف. وكانت الخطة الاولى هي تزويد الاولاد بطعام يكفيهم لستة اشهر والانتظار حتى تنحسر المياه، لكن الخطة استبعدت عندما قاس الغواصون مستوى الاوكسجين داخل الكهف ووجدوه قد انخفض الى 15 بالمئة من المعدل الطبيعي الذي يبلغ 21 بالمئة  ضمن الغلاف الجوي، وبهذه الحالة لن يتمكنوا من البقاء على قيد الحياة لشهر واحد. ومن جهة اخرى تضمنت الخطة الاخرى حفر نفق الى الكهف يشبه النفق الذي انقذ عمال المناجم التشيليين الذي حدث سنة 2010، لكنها اعتبرت خطة معقدة وخطرة جدا، وقامت فرق المتطوعين من متسلقي الصخور وجامعي أعشاش الطيور في جزيرة ليبونج بالتجوال وسط برك الجبل العميقة بحثا عن ممر بديل للأولاد، لكنهم لم يجدوا شيئاَ.
 
رحلة مرعبة
الطريق المتبقي الوحيد هو الغوص مع الاولاد ومدربهم وإخراجهم، غير إنه لم تكن لدى أي منهم خبرة في الغوص، وأحست البحرية الملكية التايلندية باستحالة الغوص بهم خارج المتاهات والمنعطفات الافقية وعقبات الممرات، فبعض البرك يبلغ عمقها نحو 15 مترا ونصف المتر، وأضيق مكان للغوص عبر الممر يبلغ عرضه اقل من نصف متر تقريبا، فقد وقع حادث مأساوي شديد عند هذه النقطة حيث توفي ضابط بحري سابق؛ يدعى سامان غانان وهو غواص مختص، اثناء نقله لقناني الهواء الى الكهف، ولا احد يعلم كيف ولماذا مات، فضلا عن ان هذا المكان سيعرض الاولاد، الذين أعياهم الجوع، للخطر، اثناء محاولة إنقاذهم. وكان القرار الأخير للفريق البريطاني عندما حددوا خيارا واحدا فقط يتمثل بتخدير الاولاد كي يفقدوا وعيهم، ووضع اقنعة كاملة ومحكمة على وجوههم وربط ايديهم الى الخلف برباط بلاستيكي، فإذا عادوا لوعيهم وأصابهم الذعر داخل الممر لن يتسببوا بقتل انفسهم وقتل منقذيهم أيضا، وصمم الغواصون اربطة خاصة لتعليق الاولاد على ظهورهم وكأنهم اكياس واقية من المطر ليتمكنوا من السباحة بهم الى الخارج. 
يقول فولانثان: “لقد واجهنا قرارا مستحيلا، فالبقاء عند نفس المكان يقود الجميع الى الموت، لكن اذا حاولنا اخراجهم فهناك احتمالية ان البعض سيتمكن من النجاة، فكان البحر عميقا ومخيفا، وبحلول نهاية ذلك اليوم توضّح المعنى”.
وتمت دعوة هاريس لخبرته في غوص الكهوف ولمهاراته الطبية، فهو واحد من اثنين على مستوى العالم فقط مختص بطب التخدير وغوص الكهوف. كان معارضا للفكرة تماما قبل بدء الخطة، وقال: “لا اظن انها خطة مجدية، وأتوقع ان اول اثنين سيغرقان ثم سيتوجب علينا ان نفعل شيئا مختلفا، فانا اخمن ان احتمالات نجاتهم صفر بالمئة”.
 
المغارات التسعة
ومع ذلك أُكمل العمل ببطء ومنهجية، فارتدى كل ولد بدلة غطس وحُقن بمادتي زانكس مع كيتامين، وهو مهدئ قوي له فائدة اضافية تعمل على تشويش الذكريات، وكان الغواص يحقن العديد منهم بالمهدئ مرة او مرتين اثناء عبورهم الممر، وعندما علم الرأي العام بهذه التفاصيل اصيب الجميع بالذعر، إلا ان المدهش أن الاولاد كانوا على ما يُرام، فمن يمكنه ان يلومهم؟ انه كان اشبه بالسقوط في بئر ممتلئ بالمخاوف البشرية من الظلام الدامس الى الاختناق والغرق وانخفاض درجة حرارة والجوع ليكونوا كمن دُفن حيا، فكانوا يشعرون بالبرد والجوع وكلهم لهفة لرؤية عوائلهم مرة أخرى، لقد كانوا شجعانا بشكل مذهل، فلم ير أحد اي دمعة على وجوههم. 
لقد كان الاولاد داخل المغارة التاسعة، والغواصون المختصون البريطانيون هم فقط من استطاعوا نقل الاولاد بين المغارتين التاسعة والثالثة، ويساعدهم في كل مغارة الفريق الأوروبي المكون من غواصين مغتربين مختصين ماهرين ومدربين من منتجعات جنوب تايلند، وعندما وصل الاولاد الى المغارة الثالثة  تلقوا فحصا طبيا من قبل الفريق العسكري الأميركي، ثم مرر ما يقارب مئة منقذ، من جنسيات مختلفة، الاولاد على زلاجات انقاذ وأخرجوهم الواحد تلو الآخر، ونقلوهم فورا الى مستشفى قرب منطقة شيانج راي وتبين انهم بصحة جيدة، ولا احد منهم يتذكر شيئا عن هذه الرحلة المرعبة.
لم تكن عملية الانقاذ التي استمرت ثلاثة ايام خالية من الصعاب، سبح جون فولانتان بثلاثة اولاد وأخرجهم، وكان اخرهم قد علق بأسلاك الهاتف التي كانت متدلية قبل ان يغرق الكهف بالمياه، فكان عليه ان يقطعها ليحرر الولد الفاقد الوعي ويستمروا بتقدم. أما الدنماركي إيفان كاراديتش، وهو أحد الغواصين المغتربين، فقد أضاع أثر الحبل الموجه عندما بدأت خوذته المستعارة بخنقه ولم يتمكن من فتح حزامها، ولحسن الحظ وجد الحبل الموجه وسط الظلام الحالك وأكمل طريقه، أما كريس جيويل؛ أحد الغواصين البريطانيين، فلم يكن محظوظا إذ سقط الحبل الموجه منه أثناء نقل احد الاولاد من يد الى اخرى ولم يتمكن من ايجاده، وأحس بالكابل يمتد اسفل قدميه، وعاد ليتتبعه من المغارة التي قدم منها، كان هاريس يتتبعه على نفس الطريق، وحين رأه هناك كان وجهه شاحبا فأخذ الولد منه ليكمل بقية الطريق الى الخارج.
 
تكريم وعرفان
عند انتهاء كل شيء وانسحاب سيارات بث الوسائل الإعلامية، سارعت بلدان العديد من الغواصين لتكريمهم بميداليات البسالة، لكنهم اعترضوا، لاحقا، على وجود أي بطولة، وانهال المديح على الاولاد وجيش المتطوعين بأكمله الذي تمكن من انقاذ الأولاد. يقول بائع التأمين الدنماركي السابق كاراديتش، الذي تحول الى مدرب غوص مختص في جزيرة كوتاو: “لقد سمعت بأنهم كانوا اكثر من سبعة آلاف متطوع على الجبل، بعضهم كان يطهو عشرين الف وجبة مجانية يوميا، وتقدم الى فرق الإنقاذ، والبعض الاخر يدير المضخات او تحويل تيارات الماء عند اعلى الكهف للحفاظ على مستوى الماء داخل المغارة ليكسبوا بعض الوقت الذي كان ثمينا من اجل الأولاد. كما قام المهندسون وعلماء المياه وفرق الحفر بسحق الاحجار لسحب المياه من تحت الارض وتحويل مجراها، ما ادى الى اغراق حقول الرز المملوكة لمئات المزارعين التايلنديين الفقراء الذين فقدوا محصولهم لكنهم لم يطالبوا بأي تعويضات. أما سائقو الاجرة فكانوا يوصلون المتطوعين من والى المطار مجانا، وكان آخرون غيرهم يقومون بغسل وتجفيف ملابس فرق الإنقاذ. لقد كانت فعلا جهودا دولية وجماهيرية. 
يقول كاراديتش: “تلقيت آلاف الرسائل من جميع انحاء الكرة الارضية تشكرنا، ليس لاننا انقاذنا الاولاد فقط بل لتوحيد العالم من خلال مثال على الإنسانية، حتى وان كنت لم تدخل كهفا من قبل، فقد يكون هذا الحدث مرتبطا بكل شخص في العالم، كان ذات يوم طفل، وارتعب لدرجة الموت من الظلام؟”.
بالنسبة للبعض، بمجرد ان يقرأ عن الغوص داخل كهف تتسارع أنفاسه، والمحير هو ما الذي يجعل اي شخص يختار القيام بذلك؛ لأجل المتعة فقط.
يقول دكتور ريتشارد هاريس: “انها رياضة عقلية حقيقية، فلا يوجد اندفاع للأدرينالين، فهي حالة تأملية للعقل الى حد كبير، والفكرة كلها ان تكون مسترخيا جدا وهادئا وسلسا تحت الماء، فبعض غواصي الكهوف منطوون تماما وهادئون على الاغلب، لكن لا يمكن ان تجد مجموعة رجال اكثر كفاءة وواقعية وشجاعة كالذين كانوا عند نهاية عملية الانقاذ الخطرة هذه”.
وبعد تسلم احد الغواصين الاستراليين اعلى جائزة للشجاعة المدنية، تحدث زميل هاريسون المنقذ كريس جالن، وكأنه كان يتكلم نيابة عن جميع الغواصين، عندما قال للصحفيين: “نحن مجموعة من الرجال الاعتياديين نتمتع بهواية غريبة”.
 
عن موقع ناشينال جيوغرافيك