زوارق الأرض المنسية

الثلاثاء 14 أيار 2019 150

زوارق الأرض المنسية
هدية حسين
 
 
ثمة نساء غيرن مجرى التاريخ، ونساء ضربن أروع الأمثلة في التضحية والشجاعة والصبر، يبقين في الذاكرة ولا يسقطن من القلوب، وعلية خلف الجبوري واحدة من هؤلاء النساء، قرأنا الكثير من أخبارها لكننا لم نقرأ عملاً سردياً الا من خلال الرواية التسجيلية (زوارق الأرض المنسية) للكاتبة وداد ابراهيم، التي قامت بمهمة صحفية قادتها الى علية خلف الجبوري، امرأة المهمات الصعبة في وقت تخاذل فيه الكثيرون ليسلموا الأرض الى أعداء الوطن، المرأة التي تحدت عصابات داعش وآوت في بيتها ثمانية وخمسين طالباً من طلاب القوة الجوية في قاعدة سبايكر، ورافقت بعضهم الى مدينة كركوك بأوراق مزورة ليصلوا من هناك الى عائلاتهم في محافظة بغداد وبقية المحافظات، امرأة نادرة في الشجاعة والعزم، لتصبح فيما بعد من بين أشجع عشر نساء في العالم، ثم لتحصل على لقب الأشجع بينهن، امرأة بسيطة بضمير حي لم يركن الى الظروف وهي التي شهدت مقتل أبيها في طفولتها، ثم مقتل زوجها وابنها على أيدي العصابات
 الإرهابية.
الكاتب شاهد عصر، وما هذه الرواية الا شهادة على حكايات الخوف والرعب الذي كان يحيط بهؤلاء الشباب، تتبعت الكاتبة ذلك من خلال اللقاء بالسيدة علية خلف الجبوري، وهي ترصد الليل بعيون لا تنام خوفاً من المداهمة، خوفاً من القوى البربرية التي خرجت من كهوف التاريخ الأسود للإرهاب، تتعاون مع طبيب هو الآخر حي الضمير ليهيئ للجنود هويات بأسماء وتواريخ مزورة على أنهم طلاب في الجامعة ليعبروا بعدها في طرق مريبة ومحفوفة بالمخاطر بين السيطرات الوهمية، تشد أزرهم تلك السيدة التي تعالت على الطائفية وأثبتت أن هؤلاء هم أبناء البلد الواحد الموحد، يجمعهم بها حب العراق وليس غيره، فاستحقت فيما بعد أن تكون الأشجع بين نساء العالم.. ترى كم هي الحكايات التي لها أبطالها من النساء والرجال ولكن لم يكتب عنهم أحد؟ كم هي معاناة شاب ترك عائلته في محافظة ليدافع عن أرض وطنه في محافظة أخرى من دون أن يشعر بأن أهلها من طائفة أخرى؟ 
وهذا شاب اسمه حمد كان متعاوناً مع السيدة علية ليجلب لها الجنود المحاصرين الى بيتها أو ينقل بعضاً منهم الى شواطئ الأمان، هذا الشاب الشجاع وبمساعدة أبيه وأخيه الصغير الذي يستطلع المكان، وأثناء ما سار به الزورق داهمه الإغماء فجأة وسقط في النهر، تدافع الجنود وأخرجوه  فإذا بروحه تصعد الى ربها، قال لهم في أنفاسه الأخيرة وهو بين الموت والحياة: لن ينال منكم الدواعش، وكانت ملامحه ونظراته تقول لهم: اركضوا صوب الحياة ولا تركضوا 
خلفي.
سنقف في هذه الرواية /الشهادة على العصر على مواقف تحبس الأنفاس، إذ ليس ما نقرؤه خيال كاتب جاء بشخصياته من عالم مخيلته، بل شخصيات من لحم ودم وخوف حقيقي، لها أحلامها وأمانيها ومشاعرها التي تحولت من تلك الأحلام الجميلة الى كوابيس وهم على حافة الحياة يواصلون الهروب ولا يعرفون مصيرهم في وقت قُتل فيه المئات من رفاقهم في أبشع جريمة يشهدها العالم، (أجساد على وشك أن تكون عارية، تغطيها ملابس ممزقة غابت هويتها إن كانت ملابس عسكرية أو مدنية من شدة الوحل الذي غطاها، وجوه حائرة قلقة شاحبة متسخة، عيون تلتمع بها دموع عصية على أن تنزل الى محرابها، لا تعرف هويتها، هل هي دموع الفرح بالنجاة أم دموع الخوف من الموت القادم، كيف تساوت الأفكار والشكوك والهواجس في عقولهم؟ كيف توحد الخوف في أعماقهم واستقرت عاصفة من الوساوس أحالت أجسادهم الى جريد نخل يرتجف في يوم عاصف) ص52
وعندما أدت مهمتها الأخيرة لإنقاذ مجموعة جديدة أصبحت مرصودة ومطلوبة من قبل الدواعش فأمرت أبناءها وزوجاتهم بالخروج للبحث عن مكان آمن، وهكذا خرجت تلك العائلة النبيلة مع عدد من الأطفال من ناحية العلم ومن مدينة تكريت كلها، ساروا مشياً على الأقدام لمسافات بعيدة في طرق محفوفة بالمخاطر باتجاه مدينة سامراء حتى تنجلي الأمور.. تنتهي الرواية عند هذا الحد ليبقى القارئ متعطشاً لمعرفة ماذا حدث بعد ذلك، كيف قضت علية خلف الجبوري أيامها، وكيف عادت، وما هي مهماتها القادمة، قبل أن تتقلد أرفع الأوسمة في البطولة 
النادرة ؟
وعلى الرغم من أن الرواية قصيرة (98 صفحة) إلا أنها قالت الكثير، ليبقى نموذج شجاعة علية خلف الجبوري مكتوباً بسطور من ذهب، وناصعاً في الذاكرة الجمعية، وفخراً ليس لعائلة هذه السيدة الرائعة فقط وإنما لعائلتها الكبيرة في عراقنا الواحد الموحد بجميع أطيافه.
.........................................
زوارق الأرض المنسية، رواية، صدرت عن دار Old Book. 2018