الارتباط الشرطي

الجمعة 17 أيار 2019 193

الارتباط الشرطي
حسن العاني 
ثمة في علم النفس مصطلح عنوانه (الارتباط الشرطي) ويراد به حالة من اقتران شيء بشيء آخر، فما أن يأتي ذكر الاول أمامك حتى ينصرف ذهنك الى الثاني وتستحضره، وكأنّ الأمرين مرتبطان فيما بينهما ارتباطاً مشروطاً، وبالطبع لا يحصل هذا الارتباط او يأتي عن فراغ، وإنّما هناك وقائع او احداث قد جرت فعلاً، وإنها من قوة التأثير على ذاكرة الانسان وعقله ونفسه ما يجعلها تمثل امامه، وفي حياة كل واحدة منا أكثر من ارتباط شرطي، والامثلة اكثر من ان تحصى، فالمرأة التي احببتها قبل الزواج بجنون وكنتَ مستعداً لقتل العالم كله من اجلها، ارتبطت صورتها بالقمر، أي لا يكاد القمر يذكر لأي سبب من الاسباب حتى يحضر وجهها امامك لكثرة ما غازلتها بهذا الوصف، وكثرة ما قلت لها (أنتِ احلى من القمر)، اما بعد الزواج بسنة واحدة فإنّ الارتباط الشرطي يأخذ حالة جديدة، لأنّك تستحضر صورتها ووجهها وسلوكها حين تسمع عبارة (ساعة السوده)!
من الامثلة الطريفة في هذا المجال مفردة (طمطمة) أو (طمطم)، واصلها اللغوي (دفن البئر وسواها او ما طُمَّ في الرماد من الجمر)، ولعل اغلبنا يتعاطى مع هذه المفردة تعاطياً شرطياً بالعودة الى الطفولة، فقد ارتبطت الطمطمة في ذاكرتنا بلعبة شائعة تمارسها البنات على وجه الخصوص، وتدعى (طمّه خريزه) وقد اندثرت في المدن، وتقوم على احضار كمية من التراب او الرمل، وتتولى اللاعبة المسؤولة إخفاء (خرزة) داخل التراب ثم توزيعه الى عدة (اكوام) صغيرة وتكون الخرزة في (كوم) منها، والفائزة من المشاركات في اللعبة هي التي تعثر على مكان الخرزة... أما في لغة السياسة فإنّ الطمطمة ترتبط ارتباطاً شرطياً في ذهن هذا السياسي او ذاك، على وفق القضية التي قام بطمطمتها ودفنها حتى ضاع معها حق المواطن او الشعب او الدولة.. وهذه صورة مؤذية للفساد الصريح...
هناك مفردة اخرى لا تخلو من ظرافة وتستحق الوقوف وهي (التسويف) واصلها اللغوي جاء من (ساف يسوف سوفاً عليه: أي صبر) و(سوّف – بتشديد الواو – وسّفه بمعنى: مطله او ماطله وقال له مرة بعد مرة: سوف أعمل) ولكنه لا يعمل بالطبع، اما (سوف – بسكون الواو وفتح الفاء فهو حرف تسويف) ولعل اشهر الارتباطات الشرطية لهذه المفردات هي التي تذهب عند كثير من الناس الى الحالات المرضية المرتبطة بالروماتزم مثلاً و(سوفان) العظام، اما في لغة السياسة والسياسيين وهي الاكثر شيوعاً فإنّ الفعل (سوّف) او مدلول التسويف، فيراد به المماطلة والتهرب وعدم الايفاء بالوعد، وفي العقود الاخيرة من تاريخ العراق المعاصر تطورت هذه المفردة، واخذت معنى خاصاً بها، على مستوى الارتباط الشرطي، بعد ان اصبح الكلام عن (تشكيل لجنة) لمتابعة اية قضية يعني المماطلة والتهرّب وتسويف تلك القضية وهذه صورة اخرى اكثر ايذاء للفساد المسكوت عنه... أما أسوأ المفردات فهي التي اعتذر عن الخوض في اصلها اللغوي وتفاصيلها، لأنّها معروفة لدى الجميع!!