مرتضى كزار: الرواية لن تُصبح شيئاً عندما لا تنوي الإطاحة بالمرويّة المزيّفة

الخميس 16 أيار 2019 475

 مرتضى كزار: الرواية لن تُصبح شيئاً  عندما لا تنوي الإطاحة بالمرويّة المزيّفة
حاوره من بغداد: حسن جوان
طاقة خلّاقة ملخّصة في شاب ثلاثيني، مزوّد بوعي منحه فرادة وإشعاعاً موزّعاً بين السرد والإخراج السينمائي والكرتون السياسي والانيميشن. تنوّعٌ يمكن ان نطلق عليه حزمة متعاضدة من المواهب، يُحسن إدارتها وتكثيفها لتبدو منتجاً صلباً. انه الروائي البصريّ مرتضى كزار الذي ابتدأ بروايته الأولى “كومبيوتوبيا” في العام 2006 واتبعها بـ “مكنسة الجنة” عام 2008 ثم رواية “السيد أصغر أكبر” - 2013 و “طائفتي الجميلة” في 2016، وأخيراً رواية “العلموي”2019التي صدرت مؤخراً. شارك فيلمه “ربّ اغفر لنديمة” في مهرجان دبي السينمائي عام 2014 وحصل فيلمه “الكعب الذي رأى” على جائزة الواحة من مهرجان الفيلم العربي في تونس، ومثّل العراق في فيلم التحريك في مهرجان إيمولا في إيطاليا، ومثّل العراق أيضا في برنامج الكتابة العالمي في الولايات المتحدة الأميركية. يشغل حالياً إضافة الى نشاطاته الثقافية الثرّة منصب مهندس برمجيات لشركة مايكروسوفت، ومدير مهرجان سياتل للفيلم العربي. بمناسبة إصدار عمله الروائي الأخير “العلموي” تواصلنا معه في مقر إقامته في الولايات المتحدة الاميركية فكان هذا الحوار الخاص بـ”الصباح”:
*أنت تمارس الرّسم والكتابة والإخراج وجرّبتَ في صناعة الأنيميشن، ما هي المعادلة، كيف ينتصر اختبارك لشكل ما على حساب آخر، أم أنّ هذا الثراء يمثل شحنة وحمولة موازية لشكل قصدي واحد، هل تحاكم الشكل الإبداعي مسبقاً قبل اختيار شكله بقصدية مدروسة؟
 -كنت اعتقد في البداية أنها طرائق تعبير، أدوات متنوعة ولوازم مختلفة أحتاجها في رحلة صيد وحينما تكون شبكة الكتابة وحدها غير كافية للتنعّم بمكنونات الغابة، غير أن الموضوع تبدّل مع تقادم العمر واتساع الخطى في تجربة الهجرة، وجدت نفسي محاطاً بأفراد تتداخل عندهم المواهب والفنون وتتعدى موضوع الهواية لتزجية الوقت إلى اعتبار الكتابة والرسم والفن عموماً كطريقة حياة ومنهج تفكير، والظاهر أن كل هذه الأجناس الفنية لها شروطها الخاصة التي ينبغي الوفاء لها مثل اللغات الحيّة، وهي بذات الوقت على قدر من التداخل والتجاور، هنالك نوافذ مفتوحة دائماً تطل منها الكتابة على الرسم التخطيطي أو الكارتون السياسي، الكتابة والسينما مثلاً يعيشان في الحي نفسه، وحينما تدخل الفكرة من بوابة ما تصبح محلاً للتنافس والمفاصلة واختيار الأصلح، وفي النهاية؛ لا توجد حدود قاطعة وما يزهد به الروائي يحتاجه السينمائي، أما ما يتساقط من فنان الرسوم المتحركة يدخل في آلية إعادة تدوير ويجد نفسه حجراً مهماً في زاوية ما، ورغم تنوع أطراف هذه المعادلة التي تبدو مدروسة أحياناً، أرى نفسي كاتباً متدرباً يتطفل على موائد الفنون الأخرى ليفهم الكتابة، لأن الكتابة ومن ناحية مصنعية؛ ليست ممارسة فردانية مخلصة لنفسها؛ بل أن الامتزاج والمقابسة من الفنون الأخرى هو ديدنها، أقول متدرباً، لأني أفهم الكتابة أيضاً كتمرين يومي أتكاسل عنه كثيراً، لكنني أرتدي زيه كل يوم وأتمثله وأكاد لا أنفكّ عن التفكير بالكتابة في ساعات الصحو. 
 
* الصور والاستعارات تحضر بقوة في سياقاتك النثرية حدّ أنّ السردي يملك فرصة لديك أن يتحول الى شعريّ أحياناً، هل يساكن الشعر جوهر أعمالك الروائية والسينمائية؟
 -لم أكتب الشعر نوعاً بعنوانه المتعارف عليه، لم أجرب ذلك، لكني أقرأه كثيراً وأرى بأن الشعر هو اللغة ذاتها والحاضنة الإبداعية لكل جنس كتابي يرتبط باللغة، يحتاج الروائي أن يكون شاعراً بدرجة من الدرجات مثلما يحتاج أن يكون صحافياً مثلاً أو ناثراً جيداً، لم أختر كل ذلك طبعاً ولم اتقصد أن أحيد عن الشعر وابتعد عن المسلك الذي أغرى كثيراً من أبناء جيلي، بل عثرت على نفسه في ساعات الطفولة وأوائل الصبى أكتب قصة لا قصيدة، ربما لارتباط الأمر بسرّانية المراهقين وحرصهم على اشعال مغامراتهم الصغيرة التي لا يرغبون بمشاركتها مع الآخرين، القصة فعل مباشر لافتتاح عالم خاص وارساله عبر واسطة ما إلى قارئ آخر، الشعر يرتبط بالجمهور بشكل ما وهو الأمر الذي لم أبحث عنه، إذا قصدنا الأنماط غير الحديثة منه طبعاً. على أننا جميعاً نكتب الشعر من هذه الناحية، حتى السياسيين يحاولون ذلك كل يوم من دون علمهم، لأن الشعر هو الجزيئة الأخيرة التي تتركب منها الجمل السردية والوحدة الأساسية في التراكيب الاستعارية والبيانية في حياتنا اليومية.
 
*من الملاحظ انك تكتب بعين مخرج، وهذه براعة ومتعة من شأنها تحفيز مخيلة بصرية لدى المتلقي، هل تتمنى أن تتحوّل أعمالك الروائية الى سينمائية؟
-يسعدني ذلك إذا حصل لكني لا أهدف له، أنا مؤمن أن الكتابة المشهدية وفنون المونتاج داخل النص ليست لأغراض تسهيل مهمات المخرجين مثلاً، بل هي ألاعيب من جنس ورشة الكتابة الذاتية، التقطيع السينمائي في النص الروائي هو لخدمة النص نفسه، والرؤية السينمائية هي رؤية لمصلحة النص بصفته نصاً، أعتقد أنّ دراسة السينما ضرورية للكاتب ليس لإنتاج سيناريو بل لإنتاج رواية، رواية وفيّة لعالم السرد، وليس لأغراض التهيئة للعدسة.
 
*في مجمل أعمالك السردية أنت تهيئ لوكيشن بمناخات نفسية وجغرافية محددة، هل تحاول عبر ذلك أن تُحكم السيطرة على كوادرك وتفاعلات الفرد في المكان؟
 -نعم، لأن المكان راوٍ أيضاً، المدن والجسور والمآذن والمرافق الحيوية تتركب من عيون الشخصيات وحواسها، في فن تربية الممثل؛ وهذه كناية من عالم الإخراج اسمح لي باستعمالها هنا، في ذلك الفن، تقرأ عن وصايا تخصّ صوت الشخصية وشدته أو فتوره، فصوت البطل يفسر لنا المكان ويحدثنا عن سعته أو صغره، الشخص في حيز مفتوح يتحدث بطريقة تختلف عن الشخص المتحدث في سرداب ضيق، والمطلوب من الممثل أن يبلغنا بأنه يتحدث في المكان الفلاني عن طريقة التحكم بمستوى صوته، الأمر مشابه لما يحدث في الكتابة وكيف تصبح عملية التقاط المكان أداة للتصوير واكتمال الحكاية وعنصراً مساعداً لا يقل شأناً عن مزايا الشخوص.
 
*واضح انك تحفر في المكان والشخصيات المنضوية فيه وكانك تؤرشف او توثق تاريخا ثانوياً تخشى أن يتقادم فيُنسى، هل تعتبر نفسك شاهداً يبوح بما فات الكاميرا والتاريخ الإمساك به؟
-مافات الكاميرا والمؤرخ الرسمي، نعم بلا شك، كل هذا يولد دافعاً ممتازاً للتدوين الروائي، لأنني، عشت في منطقة مغلوبة على أمرها توثيقياً وسياسياً، نظام الثقافة المركزية البغيض الذي عشت فيه يبالغ في تهميش الحواضر الكبرى وثقافاتها ويصهرها في بؤرة سلطوية واحدة، ثقافة السلطة الواحدة الذي همشني وقومي كلياً، حيث الثقافة المركزية الواحدة، المغرورة والمتجبرة، التي لا ترى أبعد من أرنبة أنفها، تمارس التمييز وتحتفي بالرثّ والتافه، وتسعى بكل ما أوتيت من قوة ومال ودعاية إلى خنق كل ما ينتج خارج المتن الرسمي المتساوق مع السلطة، كل هذه دوافع وحركات تشحذ الهمة نحو فضح هذه السياسات كي لا نستيقظ يوماً ونجد أنفسنا بلا ذاكرة ولا مستقبل. لذلك، أرى بأن الرواية لا تصبح شيئاً يستحق بذل الوقت من أجله إذا كانت لا تنوي الإطاحة بالمروية المزيفة التي تنتجها السلطات، على أن لا تسقط في فخ التخييل التاريخي المفبرك للحقائق، لأنها أصلاً تشتغل في منطقة خالية من دسم اليقين والحقيقة. أؤمن كثيراً بقوة الحكي وسلطان السرد الممتع؛ و أرى أن شياطين الحكايات هم الصيغة النادرة التي ترى فيها الحكمة ممتزجة بالحيلة والأكاذيب. 
 
*ضمن تجربتك، ماذا يحدث عندما يغترب السارد العراقي وهو مُحمّل بذاكرة غزيرة، أمام حياة مغايرة يباشرها وهي تحاول أن تجد فسحة متبقية في نسيجه ؟
 -أعجبني تعبير فسحة متبقية في نسيجه، على أن موضوع الاغتراب طويل وشائك، فلسفياً وثقافياً. أظن بأن تجربتي مع ذلك مازالت في طورها الجنيني، أشكال الاغتراب في زمننا الحالي مختلفة وستختلف أكثر،  إن احتمالات الاستلاب الثقافي صارت منحسرة وأقل تأثيراً، ربما لأن العالم صار أصغر كثيراً لكنه لم يفتأ عن كونه حيّزاً متوحشاً وضارياً داخل العراق وخارجه، أعيش حرفياً في بيئة مختلفة تماماً ولا أكاد أختلط بثقافتي ولا حتى بالمغتربين من أمثالي، أجد نفسي منغمساً جداً في ثقافة الشمال الغربي الأميركي، وتحديداً في ذلك الجزء القانع بالتنوع والمؤمن بقيم الحرية والاختلاف واحترام حقوق الانسان وخصاله المسالمة مع نزعة واضحة في التبشير لقيم العالم الجديد المتعلقة بالتنوع والتعددية والانفتاح والتعايش مع الاختلافات اللونية والتغايرات الجنسية والعرقية، لذلك، أشعر بأني محل امتياز  ولاعب بالتفاحتين، العربية وفنونها  واخلاقياتها النبيلة والإنكليزية ومناخها الكتابي والتواصلي، وتبقى الذاكرة تضغط بأثقالها وتفاجئني بما يتقافز على سطحها، الابتعاد عن محال الولادة قد يشعل الذاكرة بشكل مثير وقد يحولها إلى ظل ثان يتبعنا أينما نقيم، فتصبح الدنيا كلها بصرة، وحتى رائحة المحيط تستقبلها خلايا الشم وتحولها إلى نسائم من خليج 
العرب.
 
*ما زلت متابعاً ومعلقاً ومحاوراً من مكان بعيد لكل ما يدور في بلدك العراق على الرغم من ان حياتك منفعلة بمحركات نفسية وثقافية أخرى، هل يشكل ارتباطك بالعراق عامل دفع لروحك المنتجة أم 
قيداً؟
-لست متابعاً جيداً بصراحة، وقد أبدو كذلك لكن هذا غير ما أشعر به، لا أؤمن كثيراً بما أراه عبر نافذة مواقع التواصل الاجتماعي، أنصب الكثير من الفلاتر والسدود حتى تتضح عندي نسختي الخاصة من مجريات الأمور هناك، ولا ننسى أيضاً بأن رؤية البعيد أدق أحياناً من رؤية القريب، وهذه حيلة من عالم التصوير، فلن تنفعك عدستك المبعدة لو كنت قريباً جداً في رؤية أوضح الأمور أمامك، أما لو كنت بعيداً مع عدسة مقربة فوضعك أفضل من ذلك القريب من الأشياء
 المستهدفة.
  بما أن الكتابة بنت التركيز والانتباه والانصات المحاذر إلى دفائن الروح؛ فالابتعاد لا يشكل قيداً على الاطلاق، أكتب مثلاً هذه الأيام رواية ستصدر بالانجليزية اسمها: أنا في سياتل، اين أنت الآن؟، والفكرة فيها هي رؤية مدينة من منظوري الخاص كوافد جديد، لأن المهم في الكتابة عن المدن هو عين الرائي وما يراه لا ما يراه أبناؤها الأقحاح، مع أن هذا التعبير خرافي تقريباً، القصد؛ أن الابتعاد والاقتراب هي موضوعات بحد ذاتها، وصور العراق البعيد مهمة أيضاً مثلما صورته الملتقطة من قبل الرائي الداخلي، وهناك دائماً زاوية غير مكتملة وجانباً تعوزه التغطية، كما أنني لست مغرماً جداً بإيلاء المكان درجة أعلى من ساكنيه، الانفعال العاطفي الذي أكتب بموجبه هو شيء شديد الشخصية وهو الوقود العادي الذي استخدمه في الكتابة، وهذا الوقود أحصل عليه من كل مكان، فلست مهتماً جداً بأن أكتب دائماً مصائر الشخصيات بعيدة عني مكانياً ولا أراها ولا أبصر بخار أفواهها وهو يتعالى في الشتاء؛ عند المقاهي
 والمحطات.