عصابة الأطفال

الجمعة 24 أيار 2019 251

عصابة الأطفال
حسن العاني 
لعل اهم ما يميز محلات بغداد القديمة، انها متداخلة مع بعضها البعض الاخر، وصغيرة جداً سواء من حيث عدد بيوتها ام من حيث عدد سكانها، ولهذا ليس من باب المبالغة القول بان مختار المحلة او (مختار الطرف) كما كان يسمى يعرف عدد المنازل ضمن رقعته الجغرافية، مثلما يعرف افراد المنزل فرداً فرداً، الرجل منهم والمرأة والكبير والصغير، هذا غير المامه الشامل بالوضع المعاشي والاجتماعي لكل اسرة، ومن هنا كان (ختمه) على أي طلب او عريضة موضع ثقة واعتراف من قبل الجهات الرسمية. 
ويبدو ان تلك (القلة) في اعداد البيوت والسكان على حد سواء لم تساعد المختار فقط على ان يكون مطلعاً على اوضاع محلته، بل ان سكان الطرف او المحلة بدورهم كذلك يعرفون كنية كل منزل ولقبه واهم احداثه ومن يعيش فيه، وربما لهذا السبب استطيع الان ان استذكر بيوت محلتنا في (الجعيفر) بكثير من التفاصيل، في حين اقف عاجزاً اليوم عن معرفة خمسة من منازل الجيران او ستة.. ومن باب الاستشهاد على هذه المعلومة يحضرني (وهذا الاستحضار يعود الى عام 1952) بيت (لفته ابو الثلج، وحجيه مكيه – ام عدنان – وجميله الخبازه والمصلاوية وسلمان افندي وكريم ابن رجب الحمال وفضيلة الملايه وابو ستار وبيت قزقوز وعيادة الدكتور سعدون حمام) والقائمة طويلة، كان الواحد من ابناء محلتنا يعرف الجميع، والجميع يعرف الواحد، على ان هذا المشهد الذي يعود بي الى عام 1952 يفتقد بيت ام علي، هذه السيدة التي تعيش مع زوجها بشيء من البحبوحة مقارنة بالآخرين، وقد وهبها الله من الطيبة وسخاء اليد والنفس الكريمة ما جعلها مضرب المثل.. هذه السيدة الفاضلة انجبت تسعة ابناء، ثمانية منهم (اناث)، والذكر الوحيد هو علي، وفي تلك المرحلة من تاريخ العراق كان للذكر الحظُّ كله ولم يكن للأنثى حظ، ومن هنا نال من الدلال ما كان يثير حسدنا..
كانت مساعدات ام علي للمحتاجين لا تتوقف على مدار السنة، وتتضاعف (خيراتها) كلما حلّ رمضان، تطبخ كل يوم وبمساعدة الجيران ما يكفي لتوزيع الطعام وكالعادة يتولى فريقنا الطفولي مهمة ايصال الصحون، الا في ذلك اليوم حيث حضر الشيطان وزيّن رائحة الهيل وتشكيلة الجوز والفستق في عيوننا ونفوسنا، فتحلقنا حول الولد المدلل واقنعناه ان نأكل الحلاوة واقسمنا له بشرفنا ان ذلك يبقى سراً ولن يصل الى مسامع والدته... ونفذنا الجريمة ليس بدم بارد وانما بفرح عظيم.. طوال ليالي رمضان تستقبل الخالة ام علي نسوان الطرف على سهرة عامرة بالشاي والمعجنات والحلوى، ويطيب لها سماع مدائحهن والدعاء لولدها باستثناء تلك الليلة، وهو ما دفع ربة البيت الى حيلة نسائية، وهي الاعتذار لان حلاوتها لم تكن بالمستوى المطلوب، وهو الامر الذي اثار استغرابهن، وفطنت السيدة الفاضلة فاستدارت عيناها الى طفولتنا (كنا نرافق امهاتنا) وسرعان ما تخلينا عن قسمنا وشرفنا والقينا الجريمة على ابنها... وضحك معشر النسوان .. أما نحن "عصابة الاطفال" فقد تم الاستغناء عن خدماتنا منذ ذلك اليوم!!