سلطة الحقّ مجدداً!

السبت 25 أيار 2019 107

سلطة الحقّ مجدداً!
 جواد علي كسّار
لقد قالوا: "إقرار العاقل على نفسه حجّة"، كما قالوا: "الاعتراف سيّد الأدلة"، وأنا أقرّ وأعترف، أنني لا أستطيع الانفلات من إعجابي بكتابه عن الإمام أمير المؤمنين. لم ينشأ هذا الإعجاب من فراغ، فقد قرأتُ الكثير عن الإمام أمير المؤمنين، وطفتُ في موسوعات جليلة قديمة ومعاصرة، من العلامة المدائني ابن أبي الحديد المعتزلي (ت: 655هـ) مروراً بابن ميثم البحراني (ت: 1280م) بلوغاً إلى موسوعة علامة النجف الأشرف باقر شريف القرشي (ت: 2012م) وموسوعة الباحث الجادّ المثابر محمدي ري شهري (معاصر، ولد: 1946م) بأجزائها العشرة، وما تخلل ذلك من قراءات تفصيليَّة لأعمال جورج جرداق (ت: 2014م) وعبد الفتاح عبد المقصود (ت: 1993م) وعبد الرحمن الشرقاوي (ت: 1987م) ومحمد بحر العلوم (ت: 2015م) وعبد الزهرة عثمان محمد (ت: 2004م) وكثير غيرهم، ممن ارتبطت أسماؤهم بإنتاج وزين عن إمام المتقين، لكنْ رغم  ذلك بقيتُ مشدوداً إلى كتابه!
لقد خطّطتُ لهذا العمود وقرأتُ وراجعتُ، ثمّ حضّرتُ مادّة عن الإمام أمير المؤمنين، ترصد بعض نصوصه عن العقل. كما جمّعتُ مادّة عن سلوكه في العدل، وأخرى أخال أنها مهمّة جداً لصلتها المسيسة بواقعنا، تحرّيتُ فيها مواقف حاسمة للأمير، حاسب فيها ولاته على تجاوزات مالية وإنسانية وأخلاقية، كما راجعتُ للمرّة الثانية أو الثالثة، كتاب الشهيد الراحل عز الدين سليم «المعارضة السياسية في تجربة أمير المؤمنين» وهو قراءة نفيسة في واقعنا الحاضر، تقتبس إضاءاتها من منهاج علي، وتستمدّ من مواقفه ونصوصه.
لكن في آخر لحظة تبدّل كلّ شيء، وركنتُ ما جمعته جانباً، فبعد صلاة الفجر دفعني انحيازي إليه، فمددتُ يدي مرغماً إلى «علي سلطة الحقّ» وراجعته مجدّداً من غلافه الأول إلى غلافه الأخير، فراعني الكتاب وكأني أقرأ فيه للمرّة الأولى، مع أنني راجعته قبل ذلك مرّات عديدة، فعزيز السيد جاسم لا يكتب في هذا الكتاب بقلم، بل بروحه وعقله وجميع جوارحه، كأنه هالة نور في قلب الظلم والظلام، يسطع بالحقائق كتيارٍ جارفٍ، يُلامس شغاف الأفئدة، ويشدّ العزائم لمواجهة الواقع الوبيء، بنتانة السلطة وقذارة حزبها وجهالة رمزها، ويتحرّك بحزمٍ لكن أيضاً ببصيرة ووعي ووضوح، صوب المصير المعلوم، لتكون الشهادة هي أنفس جائزة لعزيز على كتابه هذا، لم تنزل عليه صدفة، أو لخطأ في الحسابات وسوءٍ في التقدير، بل مشى إليها بإصرار، وحين جاءه الموت، فأنا على يقين أنه لم يرتجف له قلب، ولم تجزع له نفس، بل فتر ثغره عن ابتسامة تهلل بها مُحياه، ولم يفهمها الطغاة، ولا عرف مغزاها جلّادوه، وأنّى لهم ذلك؛ عبّر بابتسامته الواثقة تلك عن الفرحة التي هبطت عليه، بعد طول عناء!
أجل، عُرِف عن عزيز برّه لوالدته، وكفى بالإهداء دليلاً على برّه بوالده، لكن في لحظة الموت غاب عنه الوالدان، وحضره عليّ بأبوّة روحيَّة حقيقيَّة، ملأت فمه عذوبة، وأحسّ بالمسك يتضوّع ويملأ روحه، ولا غرو ولا غرابة عندي أبداً، فعزيز من السلالة النبويَّة الطيبة، وفتىً من بني هاشم!