الأهوار.. تستعيد ألقها بعد الوفرة المائية وغزارة الأمطار

السبت 25 أيار 2019 494

الأهوار.. تستعيد ألقها بعد الوفرة المائية وغزارة الأمطار
بغدادـ/ فجر محمد
تعد الأهوار نوعا من انواع الغابات المائية وتمتاز بخضرتها ونباتاتها المتنوعة فضلا عن الطيور التي تقصدها من مختلف بلدان العالم، ولكنها كغيرها من مناطق البلاد عانت من ويلات الحروب وعمليات التجفيف القسري التي قام بها النظام البائد قبل عام 2003، الحاج الستيني اكرم جاسم كان من سكان الاهوار لغاية تجفيفها مما اضطره الى مغادرتها واللجوء الى المدينة ويقول اكرم بصوت حزين:
“كانت اهوارنا تتمتع بالمياه الوفيرة والنباتات والاحياء البحرية المتنوعة فضلا عن الطيور الغريبة الشكل التي تأتي من دول مختلفة لكون بيئة الاهوار مناسبة لها كما انها تهرب من شتاء بلدانها القاسي، ولكن بعد التجفيف الذي اصاب المنطقة اختفت تلك الاحياء، وصعب العيش على سكانها المحليين مما دفع الكثيرين منهم الى اللجوء للمدن بحثا عن لقمة العيش”.
مدير عام مركز انعاش الاهوار في وزارة الموارد المائية سميرة عبد الشبيب بينت ان هناك ظلما وحيفا اصاب سكان الاهوار عندما قامت حكومة النظام البائد بحملات التجفيف القسري، الذي اضطرهم الى الهجرة وقضى على ثقافتهم وحرمهم من التعليم، ولذلك معظم شبابها وكبار السن فيها اميون حرموا من فرصة التعلم.
 عملت الجهات ذات العلاقة بعد عام 2003 على ادراج الاهوار ضمن اتفاقيتي رامسار ولائحة التراث العالمي فالاولى  ابرمت عام 1971 ودخلها العراق قانونيا  عام 2008 وهي خاصة بالاراضي الرطبة والاستخدام الرشيد لمواردها، وفي بداية مشاركة البلاد في هذه الاتفاقية ادخل هور الحويزة فقط لكن لاحقا انضمت اليه الاهوار الوسطى والحمار وبحيرة ساوه في المثنى، والهدف من المشاركة بهذه الاتفاقية هو الحفاظ على هذا الارث الثقافي والحضاري ومنع الارادة السياسية من التحكم بها كون ما حصل سابقا لهذه المناطق كان شأنا سياسيا بحتا، اما الثانية فهي لائحة التراث العالمي اذ دخلتها الاهوار لاصالتها وتفردها وتميزها.
 
سنوات صعبة
“في لحظة من اللحظات وجدنا انفسنا وعوائلنا من دون مأوى” يتذكر الحاج الستيني اكرم تلك الفترة بحسرة والم ويتابع قوله:
“ جفت الاهوار التي تعد ملاذنا الامن، لذلك قمنا بشد الرحال الى المدن وهناك من بقي صامدا املا بتغير الحال وهذا ما حصل فعلا مع سقوط النظام البائد إذ عادت الحياة اليها من جديد وغمرت بالمياه ثم ما لبثت ان تاثرت بشح المياه والامطار”.
الخبير والناشط البيئي احمد صالح يلفت الى ان هذا العام شهدت الاهوار والبلاد بصورة عامة وفرة كبيرة من الامطار، على الرغم من المخاوف الكبيرة التي اعترت السكان المحليين لوجود الفيضانات، الا ان المختصين كانوا متفائلين بهذه الوفرة وتوقعوا ان تنتعش الاهوار بعد ان كانت مهددة بالجفاف بسبب الازمة المائية التي تعرضت لها البلاد لمدة من الزمن.
وتتفق معه بالرأي مدير عام مركز انعاش الاهوار قائلة:
“ ان اعوام 2008 و2009 و 2015 و2016 و2017 و2018كانت هي الاقسى على هذه المناطق بسبب شح المياه، لكون الخزين المائي كان متدنيا جدا مما اثرت في حصة الاهوار المائية، اما هذا العام فقد كان عاما رطبا بسبب ورود الكثير من المياه نتيجة الامطار والسيول اذ تم ملئ الخزانات بها، يضاف الى ذلك فإن الاهوار كانت مصدا للمدن من خطر الفيضان خصوصا مدينتي العمارة والبصرة، كما ان نسبة الاغمار وصلت الى 87 بالمئة في عدد من الاهوار وفي الحويزة تحديدا 100 بالمئة، وهذه النسب لم تتحقق باي سنة من السنوات بعد عام 2003 الا في هذا العام”.
 
تحول كبير
يضع الحاج الستيني اكرم امامه مجموعة من الصور القديمة للاهوار قبل سنوات التجفيف، اذ بدت ممتلئة بالمياه والنباتات والطيور الزاهية الالوان، ويقول اكرم:
“لم تكن الاهوار وسكانها يعرفون الجفاف، فقد كانت المساحات الخضراء تمتد على مرمى البصر فضلا عن الحيوانات والنباتات، اما الطيور الغريبة الشكل التي تاتي من بلدان مختلفة فقد كانت تلك الغابات المائية محطتها المفضلة، ولكن اعوام التسعينيات كانت هي الاصعب وبعد سقوط النظام البائد عادت الحياة الى الاهوار وتنفست وسكانها الصعداء اذ رجعت المياه تغمرها، وامطار هذا العام ووفرتها كانت كفيلة بمحو سنوات القحط التي اصابت تلك المناطق”.
وتؤكد مدير عام مركز انعاش الاهوار ان هذه الوفرة المائية التي غمرت البلاد هذا العام ارجعت النظام الايكولوجي اي الاجتماعي والبيئي وتعايش الانسان مع البيئة الى وضعه الطبيعي، اذ تحسنت الظروف المعيشية للسكان وتحديدا لمربي الجواميس و الصيادين ورعاة الاغنام الذين كانوا مضطرين للابتعاد عن الاهوار مسافات كبيرة، لتوفير لقمة العيش لهم ولعوائلهم.
 
ثروة اقتصادية
“على الرغم من انني واولادي اخترنا الاستقرار بالمدينة الا ان الحنين للاهوار لم يفارقنا لحظة واحدة،” يكمل حديثه الستيني اكرم بوجه مستبشر وسعيد مشيرا الى ان الكثير ممن هجروا اختاروا العودة اليها بعد أن انتعشت ودبت فيها الحياة من جديد، اذ عانى مربو الجواميس من شح المياه واختاروا ان يزاولوا مهنا اخرى غير تلك التي تربوا عليها مما اثر كثيرا في مدخولهم ولقمة عيشهم.
الخبير بالشؤون الاقتصادية ليث علي أوضح ان الاهوار تعد ثورة اقتصادية كبيرة تاتي بعد النفط ولكنها لم تستغل بالشكل الصحيح وتستثمر جيدا، علما انها لو تم الاهتمام بها لادخلت مردودا اقتصاديا كبيرا، وهي تحتوي على عناصر التنمية الضرورية فهي تضم ثروات سمكية وحيوانية كبيرة اذ هي ملتقى الطيور المهاجرة التي تاتي اليها من مناطق بعيدة وتستقر فيها، فضلا عن الطبيعة الخلابة التي تتمتع بها الاهوار، لذا لابد من العناية بها لكي تكون قبلة للسياح من مختلف البلدان يضاف الى ذلك امكانية تطوير تربية الجواميس فتكون ثروة اخرى تضاف الى ثروات البلاد، ولان الاهوار نوع من انواع الغابات المائية لذا لا يعرف سبلها الا السكان المحليين اذ من الممكن ان يفقد السائح طريقه لوحده بسبب مساحات الاهوار الشاسعة، كذلك الثروة السمكية الكبيرة التي من الممكن ان تغني البلاد عن الاستيراد، بالاضافة الى امكانية انتاج مصانع للحليب في صناعة الالبان، اما الورق فيمكن ان يصنع من القصب الموجود، لقد عانت الاهوار من حملات التجفيف الكبيرة التي قام بها النظام البائد، اذ كان يضع سدودا ترابية لمسك المياه ومنعها من الوصول  الى تلك المناطق، وبالتالي قتل جميع الحيوانات والاحياء المائية الموجودة وتضرر سكانها المحليين.
 
قبلة السياح
“يروي لي صديقي الذي فضل البقاء في الاهوار بالرغم من الظروف الصعبة ان هناك الالاف من السياح يقصدونها يوميا”، يكمل حديثه الحاج الستيني قائلا:
“كانت فرحة سكان الاهوار لا توصف عندما بدأ الناس بزيارتهم والتقاط الصور لمناطقهم ذات الطبيعة الساحرة، اذ تحسنت حياتهم بشكل ملحوظ بعد زيارة الوفود المحلية والعالمية لهم فضلا عن الشخصيات السياسية والفنية العالمية الذين انتابهم الفضول للتعرف اكثر على تلك المناطق”.
وتبين مدير عام مركز انعاش الاهوار انه في غضون يوم واحد زار ما يقارب  15 الى 20 الفا اهوار الجبايش في محافظة ذي قار ، ليس فقط من العراقيين وانما  من وفود اجنبية وشخصيات سياسية منها السفير التركي والقنصل الفرنسي ، فضلا عن الكتاب والصحفيين والخبراء والفنانين وغيرهم الكثير.
وتردف الشبيب انه لمركز انعاش الاهوار رؤيته الخاصة بتطوير الاهوار عبر اقامة اماكن استراحة فيها ومشاريع لتنمية الموارد الطبيعية للسكان المحليين خصوصا الحرف اليدوية ومربي الجواميس، ومناطق سحب النفايات واتلافها، وكذلك المشاريع الرئيسة تكون خاصة بالسكن وتوفير الخدمات فضلا عن الخطط التي اقرتها اللجنة الوطنية لادارة الاهوار وضمت وزارات الموارد المائية والثقافة والتعليم العالي  والزراعة وستنفذ حال اطلاق التخصيصات المالية، يضاف الى ذلك وجود المشاريع التوعوية والارشادية والبحوث والدراسات لسبر غور الاهوار واستدامتها وجرى ارسالها الى منظمة اليونسكو وستنفذ  بمجرد وصول المبالغ المالية ،ويذكر ان الموارد المائية  بدات بتنفيذ جزء من الخطة ، كما توجد دراسة مشروع استراتيجية تنمية الاهوار وتحديد مهام القطاعات الاخرى كالاسكان والكهرباء والزراعة والموارد المائية والبلديات والصحة، وهذا المشروع من شأنه حماية المنطقة وسكانها، عوضا عن وجود العشوائيات كالمستوصفات الصحية والمدراس التي غرقت في موجة الفيضان 
الاخيرة.