التصرف بالأعضاء البشريَّة في القانون العراقي

الاثنين 27 أيار 2019 157

التصرف بالأعضاء البشريَّة في القانون العراقي
القاضي كاظم عبد جاسم الزيدي
ان مبدأ حرمة جسم الانسان سواء كان حيا أو ميتا يحتل مكان الصدارة في سائر القوانين الدولية لحقوق الانسان و لقد سبق للشريعة الإسلامية ان وجهت إلى أهمية هذا الحق وجعلته قاعدة أساسية من قواعدها و قد تباينت أراء الفقهاء حول  طبيعة حق الانسان على جسده فمنهم من اعتبره حقا  ماليا  و منهم من اعتبره حقا شخصيا  و البعض اعتبره حقا عينيا، وآخرون يرون خلاف ذلك  و إنما عدو ذلك نوعا خاصا من الحقوق سميت بالحقوق الملازمة للشخصية تكريما للكائن البشري و تقديسا لأدميته وان الحق في الحياة وسلامة الجسم من الحقوق الملازمة للإنسان التي لا يمكن له الاستغلال عنها لذلك قيل بأنها سابقة على القانون و يقتصر دور القانون على تنظيمها إذا هي في الواقع سبب وجود القانون  وعلى الرغم من كل ما قيل في حقوق الانسان و تحديدا الحق في الحياة و سلامة الجسم فان لكل حق حدودا يتوقف عندها و ان مبدأ معصومية  الجسم البشري كان لابد ان ينحني لمبدأ يفوقه إلا وهو مبدأ التضامن الاجتماعي و ان عصرا كعصرنا هذا تتلاحق فيه التطورات العلمية  لاسيما على صعيد الطب و هذه بحاجة إلى من يبحث عن الإطار القانوني  السليم الذي يكتنف هذه الابتكارات و يضعها على المسار الصحيح .
و ان التشريع في أي بلد من بلدان العالم ينبغي ان يتماشى مع تطورات العصر و  بوجه خاص ما تسفر عنه عقول العلماء و العباقرة من اكتشافات طبية و التي تعود بالنفع الكبير على المجتمع  الإنساني  و  في مجال عمليات نقل الأعضاء البشرية ساير المشرع العراقي هذا الإنجاز الطبي فتناوله بالتنظيم ابتداء من إصدار قانون مصارف العيون العراقي رقم (113) لسنة 1970 ثم قانون زرع الكلى رقم (60 ) لسنة 1981 الملغي  وقانون زرع الأعضاء البشرية عام 1986 و قانون الاتجار بالبشر و ان الأعضاء البشرية التي يجوز نقلها هي الأعضاء المتجددة كالدم و الجلد و  نخاع العظم وتعد في مقدمة ما يباح نقله و لعل ذلك يعزى إلى الفائدة العظيمة التي تتحقق من جراء نقل أي عضو متجدد إلى شخص آخر بحاجة ماسة له و في ذات الوقت لا يلحق ضرر.
 إما عملية نقل الجلد الذي يتم في إطار عمليات التجميل فهو مباح أيضا إما ما يباح نقله من الأعضاء غير المتجددة كالقرنيات و الكلى و أجزاء الأمعاء فعمليات الكلى تعد الأكثر نجاحا و شيوعا في هذا المضمار ام الأعضاء البشرية التي لا نظير لها في جسم الانسان فلا يجوز نقلها كالقلب و الكبد و المعدة و لا  يجوز نقلها من شخص إلى آخر و يعزى سبب ذلك كونها تؤدي بحياة المتصرف و هذا لا يجوز و ممنوعا قانونا و مخالف للنظام و  الآداب  كما لا يجوز نقل زوج من الأعضاء المزدوجة في ان واحد لأنه يفضي أيضا إلى
 الوفاة .
كما يحظر استئصال أو بتر الأعضاء البشرية التي يؤدي نقلها إلى إصابة المتصرف بضرر  جسيم أو عاهة مستديمة كنقل اللسان أو الحنجرة  أو إحدى اليدين أو الرجلين  أو كليهما  و مما  يمنع نقلة أيضا الأعضاء التناسلية الناقلة للصفات الوراثية و غير الناقلة لها و يشمل ذلك البويضات و الحيامن  رغم كونها من الأعضاء المتجددة و مرد ذلك للحيلولة دون اختلاط الأنساب أو المساس بالإعراض و ان التصرفات التي ترد على الأعضاء البشرية تتخذ صورا متعددة و تتبلور الصيغة القانونية التي يخرج بها كل تصرف من التصرفات إلى حيز الوجود  حسبما تقرره إرادتا المتصرف و المتصرف اليه أو ربما الإرادة المنفردة لأحدهما كما ان التصرف بالعضو البشري قد يكون حال الحياة أو يضاف إلى ما بعد الموت و ان تصرف الانسان الحي بأحد أعضائه قد يكون على سبيل التبرع أو البيع أو الإيجار و يعد التبرع الإطار القانوني الأكثر قبولا من المنظور الشرعي و القانوني و الاجتماعي و قد نظمت التعليمات رقم (1 ) لسنة 1989 تنظيم التبرع بالأعضاء البشرية وبينت شروطها و منها كون المتبرع قد أكمل سن الرشد و ان يقتنع الطبيب المعالج بان تبرعه كان لأسباب إنسانية و لم يكن نتيجة ضغوط و يمنع الإعلان عن التبرع في وسائل الإعلام .
و من طرق نقل الأعضاء البشرية بيعها و ان القانون العراقي قد أوصد الباب في وجه بيع الأعضاء البشرية فقانون عمليات زرع الأعضاء العراقي قد نص في المادة (3 ) منه على ان ( يمنع بيع و شراء الأعضاء  بأية وسيلة و يمنع الطبيب الاختصاصي من إجراء العملية عند العلم بذلك ) و من التصرفات بالأعضاء البشرية الإيجار و من إشكال إيجار الأعضاء البشرية هو إيجار الرحم ليصبح احد الوسائل المعتمدة في حل بعض مشاكل العقم والتلقيح الصناعي و نقل الأعضاء البشرية من الأموات يتبلور في صيغ قانونية منها الوصية با لأعضاء البشرية و قد نص القانون العراقي على هذه الحالة في قانون عمليات زرع الأعضاء البشرية بالحصول على الأعضاء من يتبرع بها أو يوصي بها حال حياته  شريطة ان يكون كامل الأهلية عند التبرع أو الايصاء  و بإقرار كتابي  ومن التصرفات بالأعضاء البشرية  التصرف بالجثة عن طريق الورثة ونجد من الضروري الرقابة على موضوع التصرف بالأعضاء البشرية على ان  تجري العمليات الجراحية لنقل الأعضاء البشرية في المستشفيات المرخص لها بذلك من قبل وزارة الصحة وذلك بعد توفر الشروط اللازمة فيها لإجراء مثل هذه العمليات  و توفير المستلزمات الطبية وان يمنع ناقصو العقل وعديمو الأهلية منعا باتا من التصرف بأعضائهم في حال الحياة و  ان يتم تكريس الجهود نحو توفير الأعضاء البشرية للزرع من جثث الموتى وعدم اللجوء إلى استئصال الأعضاء من الإحياء ومع ازدياد حالات الاتجار بالأعضاء البشرية لابد من تفعيل قانون تنظيم و زراعة الأعضاء البشرية و مكافحة الاتجار بالبشر و ذلك نظرا للوضع الجديد الذي مر به المجتمع العراقي والانفتاح العالمي.
 فلا بد من حماية المواطن من منع سرقة اعضائه البشرية و من الضروري قانون جديد يقضي على محاولات الاحتيال و تهريب الأعضاء البشرية و ان يكون لوزارة الصحة دور في الرقابة على موضوع التبرع بالأعضاء البشرية وإصدار تعليمات تشدد فيها عمليات بيع الأعضاء البشرية و إصدار بطاقات التبرع بالأعضاء البشرية و توزيعها للراغبين بالتبرع و توعية المواطنين على أهمية هذا التصرف و ان التصرف بالأعضاء البشرية مباح في معظم بلدان العالم على سبيل التبرع لا  على سبيل البيع أو الإيجار و يشمل ذلك جميع الأعضاء البشرية فيما عدا الدم  و ان يستهدف التصرف بالعضو البشري إلى تحقيق مصلحة علاجية راجحة للمتصرف له و الالتزام بالشكلية المطلوبة قانونا للتصرف بالأعضاء البشرية و ذلك بالإقرار الكتابي انبثاقا من أهمية و خطورة هذا التصرف.
وان لا يكون التصرف بالأعضاء البشرية منطويا على مساس بالنظام العام و الآداب العامة كالتصرف المفضي إلى موت المتصرف أو إصابته لعاهة مستديمة أو ذلك المفضي إلى اختلاط الأنساب أو ما يروج له البعض مثل بيع الأعضاء التناسلية و ان أهمية التصرف بالأعضاء البشرية و الحيلولة دون الاتجار بها يتعين على القانون إيجاد أسس و ضوابط  تحكم هذه المستجدات و نرى تشديد العقوبة بحق من يقوم ببيع الأعضاء البشرية أو يقوم بالاتجار بها.