استقلاليَّة المحكمة الاتحادية والطريقة القانونيَّة لتعيين اعضائها

الاثنين 27 أيار 2019 299

استقلاليَّة المحكمة الاتحادية والطريقة القانونيَّة لتعيين اعضائها
القاضي ناصر عمران الموسوي
تشكلت المحكمة الاتحادية العليا بموجب المادة (44 ) من قانون إدارة الدولة المؤقت للمرحلة الانتقالية عام 2004 و الذي أقر تشكيل محكمة اتحادية عليا تتولى اختصاصات عدة من بينها البت في دستورية القوانين او الانظمة او التعليمات، والبت في الدعاوى بين الحكومة المركزية وحكومات الاقليم والمحافظات والبلديات والإدارات المحلية، فضلا عن منحها صلاحية محكمة استئناف عليا (المادة 44). وبموجب هذه المادة صدر القانون رقم 30 لسنة 2005 الذي أقر تشكيل محكمة اتحادية عليا تتكون من رئيس وثمانية قضاة، يجري تعيينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء، وقد حددت صلاحيات هذه المحكمة بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين والانظمة والتعليمات والاوامر،
 والفصل في المنازعات بين السلطات الاتحادية وسلطات الإقليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم، وكذلك النظر في الطعون المقدمة على الاحكام والقرارات الصادرة من محكمة القضاء الإداري، و النظر بالدعاوى المقامة أمامها بصفة استئنافية ينظم اختصاصها بقانون اتحادي (المادة 4). وأشارت المادة  (7 )  من القانون إلى أن أعضاء المحكمة التسعة يجب ان يؤدوا اليمين أمام رئيس الجمهورية. وقد جرى تعيين القاضي مدحت المحمود رئيسا لهذه المحكمة، مع ثمانية قضاة آخرين كأعضاء بموجب قرار جمهوري صدر في 1 ايار/ مايو 2005. وانيطت بهذه المحكمة مهمة القضاء الدستوري ومنذ عام 2005 قُدمت الكثير من مشروعات  القوانين الخاصة بالمحكمة الاتحادية الا ان هذه المشروعات لم تتخطى اروقة وادراج مجلس النواب وظلت رهن ادراج ومناقشات اعضاء مجلس النواب لتنتهي دورات برلمانية وفصول تشريعية كثيرة دون اقرار قانون المحكمة الاتحادية بالرغم من اقرار الدستور في عام 2005 والذي اعتبر المحكمة الاتحادية في المادة (89) منه من مكونات السلطة القضائية واعتبارها من مكونات السلطة القضائية منحها حكم المادة (87) التي نصت على استقلالية السلطة القضائية وبالتالي استقلالية مكوناتها وكذلك تم التأكيد على الاستقلالية من خلال نص المادة (88) التي نصت على اعتبار القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم و لا يجوز لاي سلطة التدخل في القضاء لغير او في شؤون العدالة ولأهمية المحكمة الاتحادية نص الدستور على اعتبارها هيأة قضائية مستقلة في المادة (92/ اولا ) من الدستور وفي (ثانيا ً ) منه نص على تكوين المحكمة الاتحادية من عدد من القضاة وخبراء في الفقه الاسلامي وفقهاء القانون وترك تحديد العدد وتنظيم طريقة الاختيار وعمل المحكمة بقانون يسن بأغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب ، ان نسبة الاغلبية لثلثي اعضاء مجلس النواب تستدعي توافقا نيابيا بالنسبة العددية المذكورة وهذا يعني بعد النظر الى طبيعة التشكيل السياسي  المتكون بعد الانتخابات الاخيرة وجود توافق سياسي لتمرير مشروع قانون يستوجب النسبة المذكورة لتمرير مشروع القانون والمصادقة عليه  يضاف الى ذلك طبيعة اختصاص عمل المحكمة الاتحادية والذي حددته المادة (92 ) من الدستور والمتضمن الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة اضافة الى تفسير القوانين، ان هاتين المهمتين بالتخصص تمنحان المحكمة الاتحادية سلطة الرقابة على السلطة التشريعية من خلال الرقابة على القوانين وسلطة رقابة على السلطة التنفيذية من خلال الانظمة التي تصدر منها مع مالها من اختصاصات في الفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية والقرارات والانظمة والتعليمات والفصل في المنازعات التي تحصل بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية كما لها صلاحية فضل المنازعات بين حكومات الاقاليم والمحافظات والفصل في التهم الموجهة لرئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء والوزراء وكذلك الفصل في تنازع الاختصاص بين القضاء الاتحادي والهيئات القضائية للإقليم والمحافظات ونص الدستور على ان قرارات المحكمة الاتحادية في المادة (94 ) منه واعتبرها باتة وملزمة للسلطات كافة  وقد كان للمحكمة الاتحادية دور كبير في حماية الدستور عبر الحكم بعدم دستورية الكثير من القوانين والقرارات المخالفة للدستور اضافة الى الجانب التفسيري للقوانين الذي قوم التطبيق القانوني للعمل التشريعي عبر السلطة التنفيذية وهو امر في غاية الاهمية لتحقيق الاستقرار التشريعي والتطبيق القانوني ، وقد اشار الى اهمية  تفسير وتطبيق القانون   الرئيس الاميركي جورج واشنطن بعد المصادقة على دستور الولايات المتحدة الاميركية  بقوله :  (لقد كنت دوما على قناعة تامة بان استقرار ونجاح الحكومة القومية وبالتالي سعادة الشعب الاميركي يعتمد بدرجة اساس على تفسير وتطبيق القوانين ) بالرغم من ان الدستور الاميركي لم يتضمن بعد الرقابة القضائية على دستورية القوانين وعلى ضوء ذلك ارسى جورج واشنطن تقليدين هامين الاول تعيين قضاة المحكمة العليا وثانيا  تمثيل القضاة الذين عينهم بشكل متساوي للمناطق الجغرافية في محاكم الفدرالية ، وتعيين قضاة المحكمة الاتحادية خاضع لطبيعة النظام القضائي لكل دولة وبخصوص تعيين قضاة المحكمة الاتحادية  في العراق فقد نصت المادة (3)  من قانون المحكمة الاتحادية :  تتكون المحكمة الاتحادية العليا من رئيس و ثمانية اعضاء يجري تعينهم من مجلس الرئاسة بناء على ترشيح من مجلس القضاء الاعلى بالتشاور مع مجالس القضائية في الاقليم وفق ما هو منصوص عليه في الفقرة (هــ) من المادة الرابعة والاربعين من قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية، وذلك بقدر تعلق الامر بصلاحية مجلس القضاء الاعلى بترشيح رئيس واعضاء المحكمة الاتحادية  ، وقد حكمت  المحكمة  الاتحادية مؤخرا بعدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية العليا الذي اصدرته السلطة الوطنية بالأمر التشريعي رقم (30) سنة 2005 وذلك لمخالفته لأحكام المادتين (91/ ثانيا) و (92) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وعلى ضوء ذلك فان هناك فراغا دستوريا في تنظيم طريقة  اختيار قضاة المحكمة الاتحادية وعددهم سواء أكانوا من القضاة او خبراء الفقه الاسلامي او القانون  والذي حدد الدستور ذلك من خلال قانون يسن من قبل مجلس النواب حسب نص المادة (92) منه وبعد الحكم بعد دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية  فان الامر منوط بمجلس النواب في معالجة ذلك وتشريع  قانون المحكمة الاتحادية  وقد سبق لمجلس النواب ان قرأ مشروع قانون المحكمة الاتحادية قراءة اولى  وقد تضمن مشروع القانون وفي  المادة (3) بفقراتها على الية تعيين قضاة المحكمة الاتحادية وتضمن هذه الالية عدد القضاة وجهة الترشيح والتعيين  فقد جاء في الفقرة (اولا ً)  منها : ترشح المحكمة الاتحادية ومجلس القضاء الاعلى ومجالس القضاء في الاقاليم في اجتماع مشترك ، رئيس المحكمة الاتحادية العليا ونائبه وقضاتها ، من بين قضاة الصنف الاول ممن لا تقل مدة خدمته الفعلية في القضاء عن (15) سنة  على ان يتم ترشيح ثلاثة مرشحين لكل منصب 
ثانيا / أ : ترشح وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي في اقليم كردستان (6) مرشحين من فقهاء القانون ممن يحملون شهادة عليا في القانون العام ولهم خبرة في المجال الدستوري ولاتقل خدمتهم الفعلية عن (15) سنة في الجامعات او مراكز البحوث .
ب  : ( يرشح ديوان الوقف الشيعي (3) ثلاثة مرشحين ويرشح ديوان الوقف السنّي بالتنسيق مع وزارة الاوقاف في اقليم كردستان (3) ثلاثة مرشحين على ان يكونوا من خبراء الفقه
 الاسلامي
ج :  يشترط ان يكون رئيس المحكمة ونائبه واعضائها من القضاة والفقهاء والخبراء من العراقيين ويشترط في رئيس المحكمة ونائبه ان لا يحملا جنسية اخرى ، ويشترط ايضا في جميع اعضاء المحكمة ان يكونوا ممن يتمتعون في الكفاءة والسمعة الحسنة ولم يسبق الحكم عليهم بجريمة مخلة بالشرف وان لا يكونوا مشمولين بقانون الهيأة الوطنية للمساءلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008 او اي قانون اخر يحل محله .
ثالثا ً: تعرض الترشيحات المنصوص عليها في اولا وثانيا من هذه المادة على لجنه مكونه من رئيس الجمهورية ونوابه ورئيس مجلس الوزراء ونوابه ورئيس مجلس النواب ونوابه ورئيس السلطة القضائية الاتحادية او من يمثلها بشرط ان لا يكون من المرشحين لعضوية هذه المحكمة في اجتماع مشترك لاختيار رئيس المحكمة الاتحادية العليا ونائبه وقضاتها وخبراء الفقه الاسلامي وفقهاء القانون من بين المرشحين وفقا للعدد المحدد في هذا القانون ، ويتولى رئيس الجمهورية اصدار مرسوم الجمهوري بتعيينهم .
رابعا :في حالة عدم حصول التوافق بين اعضاء اللجنة على اي من المرشحين او في حالة اذا شغر منصب من مناصب المحكمة لاي سبب يتم اختيار البديل وفقا لما ورد في البنود (اولا وثانيا وثالثا ) من هذه المادة، ان قرار عدم دستورية المادة (3) من قانون المحكمة الاتحادية النافذ هو امر يعزز استقلالية المحكمة الاتحادية، الهيأة القضائية المستقلة ضمن مكونات السلطة
 القضائية.