مروِّج سينما «سنترال»

الثلاثاء 28 أيار 2019 225

مروِّج سينما «سنترال»
علي حمود الحسن
ليس بعيدا عن حافظ القاضي، قريبا من رأس جسر الاحرار، توقفت طويلا في احدى جولاتي، لاقتفاء أثر سينمات بغداد الباذخة، التي لم تعد موجودة، الا في مخيال عشاقها، لاح امامي صرح سينما سنترال (السينما المركزي) التي شيدتها عائلة سودائي في 26 تموز 1920، وافتتحت بالفيلم الصامت “التذكرة الصفراء”، فضلا عن فيلمين قصيرين اخرين، هما: “القرود في غاباتها”، و”حوادث مختلفة “، فكان اقبال الجمهور البغدادي على افلامها كبيرا، ما شجعها على استيراد الأفلام الجديدة، اذ  كانت تستبدل افلامها  يومي الخميس والاحد، وتعرضها مرتين في اليوم، ولان موقع السينما يمور بحركة الناس، استخدم أصحابها   اثنان من ظرفاء بغداد وطرفائها، للترويج عن عروضها، هما عباس حلاوي و حسقيل أبو البالطوات، اللذان يقفان بطريقة اشهارية امام سينما “سنترال”،  يدعوان المارة بلغة هزلية لمشاهدة الفيلم، وكانا يرتديان ملابس غريبة ويصبغان وجهيهما بالألوان، واحيانا يرتديان طربوشا ملونا من “الابرو”، وكان حلاوي يطلق جمله الشهيرة ولازمته التي يرددها الجمهور بشغف،  اذ يصرخ بأعلى صوته مع حركات كوميدية:  “الليلة عندنا تبديل ... أربع مناظر ... ستة أدي بولو ... اثنين طرزان ... اثنين جاكي كوكان”، أو “ لحك ..توهه بدت  طلقات بيهه ، توهه بدت بوكسات بيهه”،  ليس هذا فحسب، انما يركبان عربة “ربل” ويطوفان  الشارع الجديد( شارع الرشيد) الى باب المعظم مرورا بباب الشيخ، ترافقهم دوما جوقة من الصبية الذين يرددون اقوالهم ويغنون” بستاتهم”، وغالبا ما يتجول عباس حلاوي وهو يرتدي زي بطل الفيلم، وبهذه الوسيلة نجح أصحاب “سنترال” باستقطاب الجمهور، وقد ذكر احد أبناء سودائي الاحياء في مقابلة  بثها على اليوتيوب: “كيف ان قاعة السينما تقبط دائما، خلال العرضين، وان مجمل إيرادات السينما يوميا لا تزيد على دينارين”،  والطريف ان عباس حلاوي كان يستجيب لمزاج الجمهور، الذي اغواه لمشاهدته، فغالبا ما يثور الجمهور ان لم تعجبه احداث الفيلم، فتضج الصالة بالصياح والشتائم وينادون عليه “عباس حلاوي بدله بدله”، فكان الرجل يوقف العرض ويغير الفيلم، بحسب ما ذكره الفنان والصحفي سعدون شفيق عدس.
ومثلما انتهت سينما “سنترال” التي صار اسمها الرافدين الشتوي نهاية تراجيدية، اذ احترقت صالة العرض تماما في تموز 1946 ثم تحولت الى سوق بذات الاسم قبل ان تشيد عليها عمارة التأمين، كذلك كانت نهاية عباس حلاوي، الذي لم يكتف بالترويج للأفلام، انما للبضائع وأحيانا استخدمه البعض للنيل من خصومه، فشَهَرَ بأحد ابطال الزورخانة المشهورين، الذي تربص به وأشبعه ضربا وركلا، ومن ذلك التاريخ لم يعد أحد يسمع صخبه وبهلواناته، فقد انزوى بعيدا، حاله حال صديقه حسقيل الذي مات معدما من دون ان يذكره أحد.