حريتان

الثلاثاء 28 أيار 2019 246

حريتان
حسن السلمان
إن تحقيق الفرد لذاته على الطريقة الوجودية، أي انطلاقاً من حريته واختياراته وتصوراته الإنسانية، لا يعني بأي حالٍ من الاحوال انسحابه من وسطه الاجتماعي وعدم مشاركته في صناعة الحياة، التي يسودها السلام والرخاء والكرامة والتقدم في جميع مجالات الحياة، كون الفرد، أولاً، وقبل كل شيء، جزءاً لا يتجزأ من البنية الاجتماعية المؤطرة بالتاريخ وحدود الإقامة الجغرافية والهوية الثقافية بكل مفرداتها وتفاصيلها القائمة على اللغة المشتركة، والتقاليد، 
ومجمل الأنساق الثقافية، حيث يصبح الحديث عن انعزال أو انفصال الفرد وتنصله عن مسؤولياته الاجتماعية - ضرباً من الكلام المجاني والرؤية الاعتباطية وفهماً قاصراً لطبيعة وماهية “ الفرد
 الوجودي“.
 إن مشاركة الفرد في بناء المجتمع وتطوره حسب الرؤية الوجودية في بعدها الاخلاقي، هي في الحقيقة مشاركة فعالة ابداعية، كونها متخففة من الإرغامات، والتصورات القبلية، وسلطة الانماط المتحكمة التي تحد من رقي وتطور المجتمع، الأمر الذي يشيع ويرسخ مفهوم الحرية كأساس للحياة القائمة على “ الاعتماد المتبادل “ الذي يحقق المساواة، والتكافؤ، والأخاء، والتعددية، والنهج الديمقراطي، وقبول الآخر جنساً وآراء ومعتقدات، ويعمل على نبذ التناحر والتجاذب والكراهية والاستعداء 
والتشظي.
 كما ان تبني “ الفرد الوجودي “ لمفهوم الالتزام  بوصفه  شكلا من اشكال الوعي المنظم “ يجعله بالضرورة والنتيجة، صاحب “ موقف “ اخلاقي من مجمل قضايا مجتمعه الاجتماعية، والسياسية، والوطنية، بكل وضوح، وصدق، وصلابة، واستعداد منقطع النظير للدفاع عن موقفه إلى حد انكار “ ذاته “ تفانياً، وخدمةً من اجل مصالح مجتمعه، الأمر الذي ينفي تهمة الرؤية الفردية الضيقة لدى “ الفرد الوجودي “ وتعاليه، ولامبالاته، وانكفائه، ويكشف بشكل جلي عن استعداه لتحمل المسؤولية كاملةً، وتحليه بالإرادة كقرارٍ واعٍ لاختياره ما يحقق ذاته شخصياً، وما يصب في مصلحة المجتمع في 
الوقت نفسه.
مما تقدم، يتضح لنا بشكل واضح، أن تحقيق الفرد لذاته لا يتعارض مع تحقيق الجماعة لذاتها، 
وذلك بحكم العلاقة العضوية التي تجمع ما بين الطرفين التي تعتمد على وجود الوشائج وصلات القربى المتعددة الاشكال بين افراد المجتمع الواحد، بل إن افساح المجال لكل طرف وبكامل الحرية المشروطة بحرية الآخرين ليشارك في بناء بلده، سيجعل الجميع يبدع ويسهم بصورة فعلية في بناء مجتمعٍ راقٍ متطور من دون أدنى شعور بالغبن 
والتجاهل.