خطة جاريد كوشنر للسلام بعيون أميركية

الخميس 30 أيار 2019 119

خطة جاريد كوشنر للسلام بعيون أميركية
د.قيس العزاوي
 
 منذ أشهر ونحن لا نسمع سوى انباء واحاديث عن “صفقة القرن” للسلام الإسرائيلي- الفلسطيني، او ما تعارف عليها بخطة كوشنر للسلام.. وقد رافق هذه الخطة تهويل كبير انشغلت به كثيراً وسائل الاعلام الغربية.. لقد بات الكل يتساءل ماذا في جعبة صهر الرئيس الامريكي من حلول عجزت عنها دول وقوى واحزاب العالم لايجاد تسوية عادلة للقضية الفلسطينية؟
   لقد مضت ايام الترقب الحذر واذا بنا نكتشف ان هذه الخطة وقبل اعلانها تلقى رفضاً فلسطينياً وشكوكاً اوروبية كبيرة حول جدواها، كما تلقى سخرية من خبراء السلام في المنطقة. والملفت للنظر هو حكم بعض مصادر القرار الامريكية بكارثيتها. هذا ما قاله بصراحة روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن الذي كتب في “أمريكان إنترست” يقول عن خطة كوشنر”اقتراح سيخسر فيه الجميع في كل الأحوال”.!!!
     ولنا في كتابات بعض الخبراء الامريكيين في سلام الشرق الاوسط عبرة فقد كتب دينيس روس و ديفيد ماكوفسكي في “وول ستريت جورنال” في بداية آيار الماضي عن صمود معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية مدة اربعين سنة منذ توقيعها عام 1979، على الرغم من اغتيال الرئيس أنور السادات عام 1981، وقيام انتفاضتين فلسطينيتين، وحربَين في لبنان، ناهيك عن انتخاب احد قادة الاخوان المسلمين محمد مرسي رئيساً لجمهورية مصر عام 2012 وإبقائه على معاهدة السلام طيلة حكمه لمدة عام .
    بيد ان وصول دونالد ترامب الى رئاسة امريكا وقراراته بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإفشال الاتفاق النووي مع ايران و الاعتراف بسيادة إسرائيلية على هضبة الجولان، فضلاً عن قطع المساعدات عن ‘وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (الأونروا) كل ذلك ضاعف من الشكوك العربية بجدارة امريكا التي اعتبرها العرب خادمة للاطماع الاسرائيلية. حتى الاردن الذي يرتبط بمعاهدة سلام مع اسرائيل منذ عام 1994 يتنازع مؤخراً مع إسرائيل حول جبل الهيكل/ الحرم الشريف بالقدس، ويتهم واشنطن بالتحيز لاسرائيل في الأمور المتعلقة بالقدس.
   ومن ناحيتها تقوم الباحثة في معهد واشنطن كاثرين كليفلاند بتحليل ما وصلت اليه استطلاعات الرأي العام العربي التي اجرتها مؤسسة امريكية موثوقة في ست دول عربية هي : مصر،الاردن، الامارات العربية،  السعودية، الكويت ولبنان، فتذكر: بأن المستجوَبين يُبدون بشكلٍ عام آراءً سلبية إزاء كلٍ من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًّا، والقيمة الكلّيّة لحُسن العلاقات العربية مع الولايات المتحدة ويرفضون التعاون مع إسرائيل قبل إحلال السلام مع الفلسطينيين .
    وبناء على ما سبق يعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أن رئاسة ترامب لامريكا هي فرصة العمر لأنها ستسمح له بضم مزيداً من الاراضي الفلسطينية لاسرائيل بموافقة امريكية. ويستنتج الكاتبان روس وماكوفسكي بأن نتينياهو أصبح ينظُر إلى “صفقة القرن” كحزام النجاة السياسي. 
    دعونا اذن نتطرق الى خطة كوشنر للسلام التي اعتبرها البعض صفقة القرن لنتعرف على ما تضمنته وما تهدف اليه :
    أولاً : تدعي الخطة بأنها لن تلجأ الى عملية تفاوض جديدة لأن هدفها هو تقديم “حلول” واقتراحات حول حدود اسرائيل النهائية ومصير القدس الموحدة وعودة اللاجئين الفلسطينيين والبحث في الترتيبات الامنية.
   ثانياً : تتجنب الخطة استخدام مصطلح”الدولة” للفلسطينيين – حسب ما قاله كوشنر نفسه- الذي رفض تقديم تعريف أمريكي لـ”إقامة دولة” وعلى ما يبدو فإن الاسرائيليين يسعون للابقاء على السلطة الفلسطينية. ويذكرني ذلك بمفاوضات مبعوث الامم المتحدة الى العراق عام 2003 البرازيلي سيرجو دي ميلو الذي اخبرنا حينها بأن امريكا لا تنوي اعطاء العراقيين صفة دولة في الوقت الحاضر ستعطيهم سلطة فقط وحذرنا من الموافقة على ذلك لكي لا يكون مصير العراق كمصير الفلسطينيين سلطة بلا دولة ..
    ثالثاً : من المفارقة ان نعلم انه في الوقت الذي يقترب موعد اعلان الخطة في شهر حزيران المقبل يعترف كوشنر لشبكة “سي سبان” بأن الرئيس الامريكي ترامب نفسه لم يقرأ بعد مشروع خطته للسلام !!
  رابعاً: كشفت صحيفة “واشنطن بوست” أن خطة السلام التي يقترحها صهر الرئيس الامريكي لا تضم سوى بعض “المقترحات العملية” لأجل ضمان امن اسرائيل مقابل تحسين حياة الفلسطينيين على المستوى الاقتصادي ، وأن هذه الخطة لا تنص نهائيا على إقامة دولة فلسطينية.
  خامساً : سبق ان كتب مدير المركز العربي في واشنطن دي سي، خليل جهشان مقالة في فورين بوليسي: يقول فيها ان خطة كوشنير للسلام ستقلب الأردن رأسا على عقب، وذلك لأن المفاوضين الأمريكيين جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات أثبتا تحيزا وفشلا سيؤديان إلى تعطيل خطة واشنطن للسلام، وزيادة تقويض مصداقية أمريكا في الشرق الأوسط..
   ذكرنا كل تلك الوقائع بمصادرها الامريكية رغبة منا في تقديم قراءة موضوعية لخطة سلام كوشنر التي لا تضمن سوى المصالح الامريكية والاسرائيلية دون ايلاء اي اهتمام لمصالح الفلسطينيين ولا لقضيتهم الوطنية وعلى رأسها اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية كما اقترحتها مبادرة السلام العربية واعتمدتها جامعة الدول العربية..
   ربما يكون خير ما نختتم به هذه العجالة هو إيلاء الاهتمام بما كتبه روبرت ساتلوف في العاشر من نيسان الماضي والمنشور في مجلة “فورين بوليسي” حين طالب الرئيس ترامب ألا يدع خطة جاريد كوشنر للسلام تبصر النور لانها تسيء للجميع وهي خطة كارثية..!