الحرب والحوار

الخميس 30 أيار 2019 204

الحرب والحوار
عدنان أبو زيد
 

الحرب شجاعة بجبروتها في القتل والتقويض وإلحاق أفدح الأضرار بالشعوب، بينما الحوار أكثر شجاعة منها، بإرساء السلام والبناء والحفاظ على البشرية من الهلاك.
وبين الحرب والحوار، خصلة، إذا لم تكن شعْرة، لا يقطعها الزعيم الذكي، وإن امتلك أسباب البأس، بينما الزعيم الطائش يقطفها ولو بأسنانه، إشباعا لرغباته في سفك الدماء، وتعبيرا عن الاختلال في بنيته الفكرية وأدواته السياسية.
وعبر التاريخ، حين تحلّ الحرب محل التشاور، تنتهي المعادلة الى نتائج سلبية، أبرزها الندم وعدم الاحتكام الى العقل، لكن 
حين يكون السيف قد سبق العذل، ولات حين مناص.
يقول انيس منصور وهو على حق: "كما أن الحرب لا تبدأ عند بدايتها إنما قبل ذلك بكثير، فإن الحرب لا تنتهي عند نهايتها إنما بعد ذلّ بكثير أيضا".
وحتى الظافر في الحرب، خاسر، يشعر بالخزي، حين ينظر الى أفق بلاد مهدمة، وبنية تحتية منهارة، وآلاف الايتام والمشردين، والمهجرين.
والمشكلة في خيار الحرب، انه مفتوح وسالك، وحين يصبح عقيدة، فهذا يعني تحول كل أزمة او خلاف سياسي الى اشتباك.
النزاع على الحدود، هو مشروع حرب.
والصراع حول آبار البترول في الشرق الأوسط، مشروع حرب. 
والخلاف على مصادر المياه بين فلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والأردن، مشروع حرب.
العلاقات التجارية بين أميركا والصين، مشروع قتال..
النزاع على الأرض بين العرب وإسرائيل، مشروع حرب..
الخلافات العقائدية والدينية، مشروع سفك دماء..
تقاسم مياه النيل مع دول الحوض وأثيوبيا، مشروع يمكن ان يقتل الآلاف..
الخلافات بشأن الصواريخ والترسانة الذرية بين روسيا واميركا، مشروع إبادة شاملة.
الاتفاق النووي وتداعياته بين أميركا وإيران، مشروع انهيار أمم.  لكن كل هذه الاحتمالات تسقط، اذا ما حرصت الشعوب وزعاماتها على الانسان والحياة. وكلها تتداعى حين يحرص الزعيم على ألا يصغر حجم رغيف الخبز، وأن تكون مقاعد المدارس كافية للطلاب، والمستشفيات توفر الخدمة الصحية للمواطن، والفرد في المجتمع يجد العمل المناسب، وينام هانئا مطمئنا.
الاغرب من ذلك انّ الذين يختارون الحرب، نسوا او تناسوا إنّ نهايتها حوار، لكن بعد خراب وخسائر باهظة في البشر والحجر، فلماذا لم يكن هو الخيار الأول الذي يسبق الرصاص. 
سنوات من الحرب، دمّرت سوريا، وفي النهاية لا بد من الحوار.
الحرب الأهلية اللبنانية حصدت الآلاف من البشر، وفي النهاية كان الحسم على طاولة المحادثات..
الحرب العالمية الأولى، (1914- 1918) قتلت أكثر من 70 مليون انسان، وفي النهاية، كان لا بد من الحوار عبر معاهدة فرساي.
الحرب العالمية الثانية ( 1939 - 1945) الحرب الأوسع في التاريخ، شارك فيها أكثر من 100 مليون شخص، وأودت بحياة نحو مليون شخص، وشهدت القاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي، في اليابان، وفي النهاية، كان الحوار بين منتصر خاسر، وخاسر منهار. الحرب العراقية الإيرانية  (1980 - 1988)، كلّفت العراق وايران ملايين الضحايا، ومئات المليارات من الدولارات، حتى اضطر الجانبان الى الحوار، الذي وجد طاولة له بعد فوات الأوان. ولا أحدثك عن الحروب الاهلية بين أبناء البلد الواحد، مثل الحرب الأهلية الأميركية، وسنوات الحرب الطائفية في العراق. ولن أحدثكم عن حروب الوكالة في فيتنام والكوريتين، حين تتحول الشعوب المسالمة الى حطب نار الصراع بين القوى الكبرى.  العراقيون الذين كانوا ضحايا حروب متعددة، بأسبابها المختلفة، يدركون جيدا، اكثر من غيرهم، جدوى الحوار، الذي وإن طال، وتشعّب، واستنزف الجهد والوقت، فانه أفضل مليون مرة من لحظة يتغلّب فيها الطيش على الحكمة، لتنطلق رصاصات حرب، يتحكم المتصارعون في بداياتها، لكنهم يعجزون عن وضع نهاية لها، وهي نهاية تفضي مهما كانت نتيجتها الى حوار، لكن بعد دمار وموت.