رحلة سامراء!

السبت 01 حزيران 2019 159

رحلة سامراء!
 جواد علي كسّار
أربعون عاماً مضت. كنا ننتظر بترقّب حلول موعد صلاة الظهر، وما إن ننتهي من أداء الفريضة، نتجه إلى مكان تجمّعنا، وكان غالباً ما يكون أحد المساجد المشهورة أو الأماكن المعروفة في مدينتنا كربلاء، نحمل معنا ما تيسّر من الطعام والشراب والفواكه، استعداداً للرحلة الموعودة. كلّ شيء جرى الإعداد له على نحوٍ منظم من قبل مسؤول أو مسؤولي الرحلة؛ السيارة والأسماء من رفاق الرحلة، والأمتعة التي نحتاج إليها، ومبدأ التشارك الجماعي في تهيئة طعام الإفطار، وتحمّل مسؤوليات الرحلة عبر التوزيع المناسب للأعمال.
تنطلق السيارة بعد انتهاء الجميع من أداء فريضتي الظهر والعصر، صوب مدينة سامراء. غالباً ما كنا نصل إلى مدينة الإمامين الهادي والعسكري، بعد الظهر بثلاث أو أربع ساعات، ما كان يعني وجود متسعٍ في الوقت للسباحة، وأعترف أنَّ السباحة على ضفاف دجلة في الجانب الأيمن من سدّ الثرثار لمن يدخل مدينة سامراء، كانت من أمتع نشاطات تلك الرحلات الرمضانيَّة. نتجه بعد السباحة إلى زيارة الإمامين العسكريين عليهما السلام، والصلاة في دار الإمام الهادي المعروفة اليوم بسرداب الغيبة، ثمّ جولة إلى منارة الملوية ومسجدها الداثر، حيث لم يكن يبلغ قمة الملوية إلا قلة من رفاق رحلتنا، في حين تختار النساء من أمهاتنا وأخواتنا، إزجاء الوقت بالأحاديث والحكايات الجانبية، على أرض مسجد الملوية.
نُبقي من الوقت قبل أذان المغرب، مُكثة قصيرة نخصّصها للتجوّل في أسواق المدينة ومرافقها البارزة، وهي مع الأسف كانت ولا تزال أسواقاً متواضعة ومرافق بسيطة جداً، لا تنسجم مع مكانة سامراء وتاريخها العريق. وإذا كنا نتفهّم دوافع إهمال المدينة على عهد النظام الساقط، إعلاءً لشأن تكريت على حساب سامراء، فلستُ أفهم الإهمال الذي لا يزال متواصلاً لها حتى اليوم!
بعد الانتهاء من صلاة المغرب، نجد كلّ شيء مهيأ على نحو شائق ومنظم؛ الأبسطة والأفرشة، وأماكن الجلوس، مائدة الإفطار الرمضانية والأشربة، وحيث ما ننتهي من شرب الشاي، تكون السيارة قد اتجهت بنا في رحلة ليليَّة، إلى مدينة الكاظمية. أبرز نشاط في الكاظمية بعد أداء الزيارة، هي المشاركة في مجلس الشيخ الراحل العلامة محمد حسن آل ياسين (ت: 2006م) فقد كان الموسم الرمضاني لآل ياسين مميّزاً بكلّ شيء؛ بنوعية الحضور وقامة المحاضر ومؤهلاته الرفيعة، وموضوع المحاضرة، والأسئلة المتبادلة بين المحاضر والحضور، بل كان المجلس متقدّماً على عصره حتى بترتيب القاعة وصفّ الكراسي وأشباه ذلك، بحيث لا يزال طعم مجالس ذلك الموسم طازجاً في الذاكرة، رغم مرور أكثر من أربعة عقود عليه. بعد الكاظمية تتهادى سيارتنا على مُكث إلى كربلاء، وفي طريق العودة إلى مدينتنا، ما ثمة أحلى من دعاء البهاء في السحر، يُقرأ بأجمل الأصوات وأخشعها، يأخذ بمجامع القلوب، حيث تتناغم نهايات هذا الدعاء البهيّ، مع أنوار منائر المرقد الحسيني وقبته الشامخة، لتنتهي عند الحسين رحلة، هي على بساطتها من أروع رحلات العمر في عطاياها المعنوية وهبات الله فيها!