إعادة تصور تصاميم الجوامع في بنغلاديش

السبت 01 حزيران 2019 148

إعادة تصور تصاميم الجوامع في بنغلاديش
ترجمة وإعداد: مي اسماعيل
مضت نحو 25 سنة من دون أنْ يقام في بنغلاديش فضاءٌ دينيٌّ يقاربُ جامع مجمع البرلمان ابتكاراً وتجديداً؛ فتحت الحكم العسكري الذي أدار الدولة غالباً في سنوات 1975 - 1991 شيد الحكام عدداً كبيراً من الجوامع الرئيسة، لكنها كما يقول المعماري “إحسان خان”: “كانت مشاريع أقيمت لأهداف سياسيَّة؛ لذا استخدمت رموزاً معماريَّة 
سطحيَّة”.
قضى “لويس كان” سنوات عمله الأولى في بنغلاديش يعمل بمكتب “مظهر الإسلام”، وفي سنة 1996 (بعد فترة قصيرة من انتخاب “الشيخة حسينة” رئيسة للوزراء) كلفته وزارة الثقافة البنغالية لتصميم ضريح لوالدها؛ أول رئيس جمهورية لبنغلاديش، الشيخ “مجيب الرحمن”. 
أحاط المعماري الضريح بحلقة من الكونكريت المثقب؛ مستعيداً صورة حواجز (قواطع) جالي “jali” المنحوتة الموجودة حول المقابر الصوفية ومبان إسلامية أخرى في مناطق شبه القارة 
الهندية. 
وغطاه بقشرة كونكريتية لم تستعر شكلها من قباب المساجد التقليديَّة؛ بل من السقوف المنحنية في منازل القرى التقليديَّة. جمع تصميم الضريح تقنيات حداثية (متمثلة بالأسطح المسامية المثقبة والهندسيات الجريئة) مع الرموز الإسلامية 
الإقليمية. 
لكنَّ تلك الابتكارات جرى قبولها فقط لأنَّ المبنى لم يكن (بواقع الحال) مخصصاً للصلاة. ورغم ذلك قدم الضريح الذي صممه “كان” أنموذجاً أسهم في التعبير عن جماليات العمارة الدينية الخاصة ببنغلاديش وبلورتها.
 
منظور البساطة والتجريد
في سنة 2005 تلقى المعماري البنغالي “كاشف محبوب شودري-Kashef Mahboob Chowdhury” (رئيس مكتب أوربانا “Urbana” المعماري) تكليفاً من زبون ثري لبناء جامع في حي تشاندجاون بالطرف الشمالي الشرقي من شيتاغونغ؛ ثاني أكبر مدن بنغلاديش. 
اكتمل الجامع بعد سنتين، فكان أكثر بساطة وتجريداً من تصميم “لويس كان”.. جاء التصميم بشكل مستطيل أبيض طويل معلق بين أشجار الموز والنخيل، تعبره عتبة منخفضة تقود الى فناء أمامي تحت كوة دائرية عملاقة. 
تقود أبواب زجاجية الى قاعة الصلاة التي تعلوها قبة صغيرة مقسومة (كالكتاب) بنوافذ زجاجية؛ وكان هذا تنازل “شودري” الوحيد باقترابه من العناصر المعمارية التقليدية. يقول المعماري عن تصميمه: “أراد الزبون جامعاً حداثياً يغير مستوى المنطقة ويقودها للمستقبل. وأردتُ أنا العودة الى أصول تصاميم الجوامع”. 
وكان ذلك يعني بالنسبة له التخلي عن التزيين والزخرفة لتقديم الوظائف الأساسية للجامع بشكل صريح؛ ويكون المبنى سقيفة مفتوحة مظللة يصلي فيها المسلم. بتصميم مبنى يقتصر على العناصر الأساسية للجوامع فقط؛ وصل شودري الى حالة نابعة تماماً من ماضي البنغال: سقيفة أساسية تنفتح جميع سطوحها على العالم الخارجي.
في سنة 2012 أخذ المعماري “رفيق عزام-Rafiq Azam” هذا التكوين ودفعه خطوة أخرى الى الأمام؛ في تصميمه لمدافن إحدى الأسر البنغالية في مجمع سكني وسط حقول الرز في ريف بنغلاديش الجنوبي. رفع عزام المساحة المطلوبة على منصة، وعزلها عن باقي أجزاء الموقع بدرج عريض واطئ وعتبة عريضة من الكونكريت؛ وكأنها تمثل.. “خطاً يمكن عبوره في أي وقت” بين عالم السماء والأرض.. تبنى شودري وعزام انسيابية الفضاء التصميمي، التي ألهمت الحداثيين الأوائل في المنطقة وصولاً إلى العالم الروحي. بينما أثبت مسجد تشاندجاون أنَّ الانفصام بين العمارة العلمانية والدينية كان دائمًا أمراً زائفاً.
 
قريباً من الشعب
نمت مدينة دكا كثيراً في السنوات الخمسين الماضية، حتى جرى تعبيد الحدائق وطمر البحيرات. لكن ذلك المحيط الحضري الجديد (الذي تخنقه عوادم السيارات بدلاً من روائح الزهور ويغلفه التلوث بدلاً من الضباب الندي)؛ شكّل تحدياً لسلامة الهياكل القديمة المتبقية. حينما بدأت المعمارية “مارينا تبسم-Marina Tabassum “ بتصميم جامع “بيت الرؤوف” سنة 2006، في منطقة فقيرة مكتظة من المدينة؛ لم يكن هناك سوى القليل من البنى التحتية القادرة على استيعاب أعداد السكان المتزايدة بسرعة، وجلهم مهاجرون قادمون من الريف. ولكي تخلق واحة وملجأ من عمليات البناء والغبار؛ درست “تبسم” (التي كانت شريكة شودري في مكتب أوربانا المعماري) المساجد المنعزلة بالسلطنة البنغالية في القرن الخامس عشر، بحثًا عن الإلهام.
صممت “تبسم” وبنت جامعاً كأنه يمر بمسار متعدد الحلقات؛ فهناك صحن منعزل في دائرة في صحن آخر، وجدرانه كالقواطع مائلة ومصنوعة من الطابوق، تسمح بتغلغل الهواء وحركته عبر الفضاءات. ينزلق الضوء خلال ثقوب في السقف ليرسم تشكيلات على أرضية الحرم؛ محاكياً مسار ضوء الشمس عبر غابة أشجار. 
أما المحراب فكان كأنه شظية بيضاء من الضوء تشطر عمودياً منطقة التقاء الجدارين الخارجيين. الحرم مريحٌ (مثل تصميم لويس كان)، لكنه أيضا مسامي يُدخِل الضوء مثل جامع تشاندجاون. اكتمل جامع بيت الرؤوف سنة 2012؛ مترجماً تصميم السرادق الريفي التقليدي ولكن بلغة المدينة، وصار فضاء تجمع للمجتمع المحلي وملاذاً من الحرارة والضوضاء وضغوط البيئة الحضرية الساحقة.
 
بين الماضي والمستقبل
قاد الاطراء الدولي لجامعي تشاندجاون وبيت الرؤوف للإقامة موجة من مباني الجوامع غير التقليدية. اليوم يكاد كل معماري مهم في بنغلادش قد صمم مبنى لجامع أو هو قيد التنفيذ. ومنذ اكتمال مشروعه في تشاندجاون قبل عقد من الزمن، صمم شودري وحده أربعة أخرى. ففي ضاحية “غولشان– Gulshan” الثرية (سكن/ أعمال) غلّف شودري بناية ذات سبعة طوابق بحواجز من الكونكريت الخفيف تحمل تجريداً للحروف العربية لجملة: “لا إله إلا الله”. 
وفي ضاحية “كيرانيغاني- Keraniganj” المحافظة ذات الأغلبية العمالية (عبر نهر بوريجانجا) مقابل المدينة القديمة؛ بنى المعماري سنة 2017 ما يصفه بأنه: الجامع الأحمر؛ وهو هيكل زجاجي تحيطه قناة مائية، ويرتفع سقفه على أعمدة متفرعة مصبوبة من الكونكريت بلون الحجر الرملي المصقول. هذا المثال هو الأكثر تقليديَّة من أعمال شودري؛ إذ ترسم غابة العمدة صورة التلاشي نحو الأبديَّة؛ مثلما هي الحال في جامع قرطبة الكبير (القرن العاشر). ولعله ايضاً مثال بنغالي بامتياز: السرادق المغطى ذو الجدران الشفافة المفتوحة كليا أمام المطر والريح... وكأنه ليس مبنياً على الإطلاق!
لم تعد بنغلاديش اليوم بلداً يسهل العيش فيه؛ ويعود السبب جزئياً لصناعة الملابس هناك.. فارتفاع مستويات مياه البحر يهدد بإغراق البلد قريباً؛ إذ تقع نحو ثلثي أراضيه بمستوى أقل من خمسة أمتار فوق مستوى سطح البحر. وفي السنوات القليلة الماضية نتج عن التطرف الديني عدة مواجهات عنيفة. تلك الأحداث زعزعت صورة بنغلاديش الذاتية؛ كونها أمة معتدلة تقدميَّة. وفي ظل الاضطرابات السياسية باتت الجوامع تمثل ملجأ روحياً من مجريات الديمقراطية المتهالكة وتجسيداً فيزياوياً لمثل وقيم بنغلاديش الأساسيَّة.. ولعلَّ أبلغ الأمثلة هنا كان جامع تشاندجاون للمعماري شودري. يعترف شودري قبل غيره أنَّ جامعه (المطلي بطبقة بيضاء من الاسمنت) لم يكن خصماً قوياً أمام مرور الزمن؛ إذ تركت الرطوبة بقعاً وخطوطاً سوداء على الجدران، واكتسبت القبة الزجاجية مسحة داكنة. 
لكنه يبقى (رغم الإهمال وتجمع ورق الأشجار في كوات السقف) مبنى متميزاً وكأنه خرج من المقياس المادي للأشياء الى عالم الروح. وما زال يساعد الناس القادمين من شتى أرجاء المنطقة للصلاة على التأمل والتدبر؛ وهو أمر يعدُّ (في حالة بنغلاديش) وسيلة للنظر الى المستقبل.
 
* ميشيل سنايدر - صحيفة نيويورك تايمز