( أول الحكايات )

الأحد 02 حزيران 2019 205

  ( أول الحكايات )
جاسم عاصي
إلى الإيشان الذي شغلني ومازال يشغلني، حيث اراه 
            في كبد مياه الهور. فإليه مناجاتي 
 
سيدي وملاذي وخالق أسطورتي في هذا الكوّن . سيد المياه الجارية منذ الأزل، حفيظ ملهم الشعراء والثوريين وحامي أجسادهم من وهن الأزمنة وقسوّتها، كيف تركتني بلا ماء وسط هجير الصحراء، ألله الشكوى أم لك ..؟ أرى أنها لا تستنطق لساني إلا في حضرتك، فقد رأيتك شيئا ً وافر الضوء، كثير العطاء، ملزم لما لم يُلزَم، نافرٌ من أحشائك نور الدنيا فاتبعت طريقك الشائك والمربك . لا تسألني .. من منهم أنا ( مردان، سامح، ام مردان،  سعيد الناصري ، زليخا، العلوية حميدة، أبو زهير )؟ لقد اشتبك عليّ الأمر .فكل منا يستلهم من الآخر صورة الحياة، وسوية سعينا إلى حتوفنا، متنا فقبرنا، أو قل متنا أحياء بلا لائحة تـُذكر . فكُّلنا واحد. 
 سيدي سأل أحدهم (سعيد الناصري) في المقبض وهو يُسلمه خاتما ً قال له: خذه معك إلى مدينة كربائلو بعد أن يُطلق سراحك، فأنت ورّاق وطالب علم وتبحث عن مخطوطات تنهل من معارفها، أعطه إلى رجل يُكـّنى بسعيد الناصري . 
فاستغرب الرجل الكهل وسأل باندهاش: 
ــ ألم تكن أنت سعيد الناصري ..؟! 
أجاب: 
ــ لا .. لا يهم ذلك، فنحن حَـمَلة أسماء وأفكار يسير كل منا إلى حتفه بساقين قويتين،ورأس عامر ومرفوع، نورنا نور وماؤنا ماء، أما أنا فقد دنت منيتي ويتعذر عليّ أن أجتمع بتلاميذي 
قال الرجل: 
ــ ما رأيت قط مثله، تعذب كثيرا ً وما وهن، وفي آخر زمن كنت معه، رفع رأسه وجعل من كفيه جناحا طائر، وهمَّ بالدعاء، وسمعت جيدا ً ما ختم به الدعاء قائلا ً: ربي أغفر لأعدائي قبل أصدقائي، فقد زلت أقدامهم، وسبقت ألسنتهم دفة الكلام، فرقابهم قصيرة . وفي الصباح أخذوه إلى المجهول ولم يعد، فعرفنا مصيره- رحمه الله- 
سيدي كنت تلوّن حكاياتك في حضرة مجلسك في الليالي، كما كانت تفعل الملاية زهرة، والسيد يوسف وأبو زهير، لكني فجأة وجدت نفسي دون حكـّاء، فتهت أو تصورت ذلك، لكن صوتا ً ردد ما كان يقوله هؤلاء بحقي : خذ ناصية خلق الحكاية ورويّها، فقد صلب عودك وزادت معرفتك بالأشياء .ابدأ بسرد الحكاية ولا تتهيب من شيء  ولا تترك حكايتك تنتهي يوما ً، بل واصلها بما يبتكره ذهنك من جديد موصول بها ، صله بالزمن الذي تعيش، وزوّقها بخصائص المكان الذي تقطن فتجدها قد بَرِق لونها، وتجددت معانيها، فالكل يصغون إليك، فلا تبخل عما تبتكره ملَكَتك، وتعيده ذاكرتك طريا ً سلسا ً . فابتدأت .. وما أن دخلت بوابة الحكاية .. حكايتك حتى تناهب التعب وجودي. لم أكن أدرك حجم  معاناتكم وأنتم تسطـّرون الحكاية، ولا أفقه مدى الجُهد الذي تبذلونه  حين تـُعيدون رويها،ولا أدرك عثرات اللسان والنسيّان، حيث تبتكرون ما يسد خـُرم نسق حكايتكم بجهد غير ملحوظ، فكلنا لا نرغب إلا بالجاهز من الأشياء، لا نسعى إلا إذا تداركنا الزمن بقبضته . فقط عرفت طعم العذاب الذي يُخلـّف الوهن غب كل جلسة كنت أبتكر من خلالها الحكاية، أو أرددها . 
فقد ذكرت زليخا يوما في مجلس الدرس بجوار الخربة المرفقة بدارهم والتي يقطنها يونس الكهل المتصوف، الذي ترك كل تهدجاته وتراتيله عالقة في ذاكرتي، هو الحامل لواء تبديد وحدتي كما فعل شنيف وأبو زهير وإضرابهم من المتصوفة الذين ظهروا لي في مسيرة حياتي كالضياء في حلكة الليل البهيم، قالت زليخا : 
ــ ماذا أرى عليك وفيك يا سعيد ..؟ 
قلت: 
ــ لا شيء!! 
ــ بلى كنت تـُحدّث  التلاميذ .. في ماذا كنت تتحدث ..؟ 
قلت : 
ــ أعيد ما روته خالتي الملاية زهرة ليلة البارحة في مجلس النساء 
قالت : 
ــ فقط ..؟ 
قلت : 
ــ نعم والله لا شيء غير هذا 
: قالت 
ــ بل لاحظت عليك غير هذا ..؟! 
قلت: 
ــ وكيف ملاتي ..؟ 
قالت: 
ــ أنت  تبتكر أشياء  لم تقلها أختي الملاية زهرة في المساء!!  
قلت وبخوف وحذر: 
ــ كنت أرمم ما نسيته من الحكاية بما أستطيعه من كلام ! 
قالت وقد فرّحت لقولها بعد أن ربتت على كتفي وقبلتني على وجنتيّ: 
ــ لا عليك يا بنيّ،فأنت من يروي الحكايات من بعدنا 
 وهنا تذكرت ما قاله أبو زهير سليل دور العلم والهارب إلى وجه البرية تخلصا ً من جور الأزمنة :
ــ أنك بملئك جراب الحكايات سوف تتعذب  في حياتك
: قلت  
ــ كيف: ؟
قال: 
ــ لأنك تـُعيد المأساة، وتـُجهد كي تبتكر وتروي بعضا ً من تفاصيلها، لكي لا تدع الحكاية تتوالى على نمطها المنقول، وتلك محنة يا ولدي .. محنة كبيرة 
 
أنظر لي ما الذي دفعني إلى الصحراء سوى جوّر الزمان،  وقسوة الحكاية التي لم ترق لأحد وراقت لي البراري، فكلما حدّثت الصحراء بحكاياتي، تزهّر حقولها، ويزهو فراشها الملوّن، فتغدو جنة عدن في دلمون، بينما تعذرعليّ التلاؤم مع مجريات حياتهم . فلكل منا  حكاياته، ولك أسلوبٌ في  روي الحكايات، وما خُلقنا إلا لنتعذب في الحياة، وهذه من السنن التي كتبها الرب في لوّحنا المحفوظ 
ماذا أقول وأروي بحضرتك يا سيدي، وأنت من دلني على طريق الحكاية ومتونها، فلك مني ابتداء الحكاية، وستليها الحكايات بعد حين.