زيارة!

الاثنين 10 حزيران 2019 121

زيارة!
 جواد علي كسّار
حدّثني المفكر العراقيّ الصديق عبد الجبار الرفاعي، أنّه كان في زيارة إلى القاهرة حين رأى من الضروري اللقاء بحسن حنفي (معاصر، ولد: 1935م) وفاءً لعلاقة كبيرة بين الاثنين، تعود لثلاثة عقود مضت.
يذكر الرفاعي أنّه كان يعرف تقدّم سنّ حنفي واضطراب حالته الصحية، وأن الأمراض قد احتوشته من كلّ جانب؛ في السمع والبصر والقلب وضغط الدم والسكر واختلال الأجهزة، وغير ذلك من علل وأسقام ما بعد الثمانين. لذلك أراد أن لا يثقل على صاحبه، بل يكتفي بمكثةٍ من عشر دقائق سراع يمضيها مع الأستاذ حنفي، تقديراً لجهده وإكراماً لصداقة متبادلة.
كان أول انطباعات الرفاعي حين دخوله على حنفي هو الوضع السكني، فالشقة على رحابتها النسبية بدت قديمة وربما رثّة، مظلمة تكاد تميل إلى العتمة، تثير الوحشة في النفس وتدعو إلى الانقباض، وتنتشر من بين جدرانها روائح المرض وعوارض الشيخوخة وتقدّم السنّ!
هذا كله لا يهمّ فهي من صفات العرض كما يُقال في المنطق، والمهمّ هو الجوهر، فأين هو الجوهر وما هي أخباره، وكيف يمضي أوقاته؟
يضيف الرفاعي راحت عيناه تتطلعان في المكان، بحثاً عن الرجل الذي ملأ الفضاء الفكري، بمشروع الجبهات الثلاث في التراث والتجديد، وكان أحد منظّري اليسار الإسلامي ودعاته، تشهد على ذلك مجلته التي صدرت قبل نصف قرن تحمل العنوان نفسه، وهو مؤسّس علم الاستغراب، أخذت به همّته إلى إنجاز مكتبة كاملة، راحت إصداراتها تتوالى من منتصف ستينيات القرن المنصرم، حتى اليوم!
إنّه هنا، في زاوية من زوايا الشقة، هذا هو حسن حنفي، بجسده الهزيل الذي أنهكته الأمراض، ونظارة سميكة تسعف بصره الكليل، وإذن لا تكاد تلتقط إلا بقايا كلمات، بشرط أن تكون بصوت مرتفع، جالس على كرسيّ متحرّك! يقول الرفاعي: وجدتُ صعوبة لأول وهلة في التواصل معه، ولم أفلح إلّا بعد مضي شيء من الوقت، حين انتعشت ذاكرته، وراح يسألني عن أوضاعي والعراق، لكن حرصي على أن أسمع منه وأعرف أخباره وما يفعل، أكبر من رغبتي في الحديث، خاصة وقد رأيته يصارع الموت، لا رغبة مجرّدة في الحياة، بل حرصاً على عمل بين يديه، حيث كان منكباً على منضدته، يسمع بصعوبة، ويحرّك يديه ليكتب بصعوبة أكبر، أمامه رزمة ورق، لا تسعفه النظّارة بالقراءة رغم سمكها، فكان يستعين بمرآة مكبّرة!
قال لي بصعوبة تعثرت بها الكلمات، لكن بصفاء ذهن ووضوح فكرة: إنّني في الحلقة الأخيرة من حياتي الفكرية، بعد أن اكتمل مشروع «التراث والتجديد» بساحاته الثلاث؛ أصارع المرض وأقاتل الزمن المتبقي لإنجاز مذكراتي، التي أعكف عليها الآن!
دام اللقاء أكثر من ساعة حمّلني فيها حنفي بآخر مجاميع كتبه بعد أن تأكد خلوّ حقائبي من المتاع!
هو درسٌ في المثابرة مدهش، ولا عجب فإذا كانت النفوس كباراً تعبتْ في مُرادها الأجسامُ؛ وكلّ وقت وأنتم بخير!