{للفراغ وشمٌ وذاكرة}

الاثنين 10 حزيران 2019 95

{للفراغ وشمٌ وذاكرة}
زهير الجبوري 
 
 
تستوقفنا بعض النتاجات الشعرية الراهنة بانتباهة مثيرة للجدل ، بخاصة عند تجارب تخرج للمرة الاولى امام ناظريك وهي تبرهن على حضورها الشعري ، وهذا ما ينبأ عن سلامة القصيدة في قادم ايامها ، بخاصة عندما تكون هذه التجربة انثوية ، ولا ضير في ذلك ، فالساحة العراقية مليئة بالاسماء الشعرية /الأنثوية الراكزة ، الاّ ان الشاعرة زهراء المالكي ومجموعتها الشعرية (للفراغ وشمٌ وذاكرة)/2019 ، تعلن عن تجربة حاضرة بكل مميزاتها الفنية والمضمونية والأدائية ، او تعلن عن فن ممارستها في كتابة القصيدة ، وهي مصرة في الوقوف بجانب جيلها 
الشعري ..
ان اعتماد الشاعرة على فنية الكتابة الشعرية في بلاغتها ومفارقتها وانزياحها اللّغوي ، دليل الكشف عن تمتعها الواضح في كتابة القصيدة الحديثة من دون زوائد او تجريب ، وهذا ما يجعلنا نستوقف في مناطق عديدة من نصوص المجموعة ، حيث التنوع في الموضوعات ، والتنوع في ابعاد القصيدة ومدياتها اللّغوية ، وبصراحة نقدية أشير الى انتباهتي الى ان شاعرة شابة استطاعت ان ترسم اشكالا شعرية وتتلاعب بمقاديرها حيث تشاء ، وهي التفاتة مهمة وحساسة لو تكررت او استمرت في طريقتها هذه فانها ستصبح ظاهرة حديثة ناضجة في قصيدتنا العراقية ..
(للفراغ وشمٌ وذاكرة)، مجموعة اشتغلت على شعرية الذهني ، لكنه الذهني القارئ والناقد ، الذهني الذي يتمتع بالضربة الشعرية ، وإن كان هذا الاسلوب قد قرأناه في تجارب عديدة ، الاّ ان (زهراء المالكي) تفردت بصفة (الذات/ شعري)، لتصل الى المتلقي بلغة لها ابعاد ثلاثية (اللغة /الموضوع /القصدية)، ومن خلال ذلك تصبح القصيدة غير خاضعة لبهرجة الشكل وميوعة اللّغة ، بل واصفة ومؤثرة ، ولنا في ذلك شواهد كثيرة ، نقرأ في قصيدة 
(ممحاة):فساتيني لم تكن ملطخة بقذارة اللّعب 
مثلما تتصورون .. ما ترونه اخطاء الآخرون 
كلما تراكمت في ذاكرتي أخذتُ بموحها .(ص45).
مثل هذه القصيدة كأنموذج ، قرأنا العديد من القصائد المعبرة عن مهارة الشاعرة وقدرتها في كتابة نص تكثيفي مختزل ، والغاية في هذه الطريقة هي قراءة العمق الذاتي من خلال استعارة اللّغة كأداة معبرة عن معنى داخلي ، احسب انها توصلت الى غايتها بتجريدات واضحة ، وادركت اللّعبة الشعرية ، وكانت تمثلاتها الاستعارية في فنية القصيدة أذابت كينونتها الأنثوية تماماً ، اوتجردت من ايحاءاتها الأنثوية ، وأعني التجرد الأنثوي بمفهومه الاجناسي (المتغنج)، ربما هو قلق الكتابة ، القلق الذي يخلق تحدياً من نوع خاص ، والذي يكشف عن حمولات مشهدية فوقية التعامل ، بعيدة عن التفاصيل وعن وصف الآخر الباحث عن الشهوانية ، وكأن عين الشاعرة (زهراء المالكي)، عين الواقع بوصفية (جندرية) ، لذا نقرأ في قصيدة (النساء خلقٌ أول) ما يحيلنا الى مضمون تكويني/وصفي ، خاضع للرؤية الموضوعية ، لا للتعبير الهاجسي : 
نحن النساء لم نُخلق من ضلعٍ اعوج
خُلقنا من طين حرٍ وعطر مستقيم وحين تنفسنا نبتَ الوردُ.(ص21).
وكذا الحال حين نقرا في قصيدة (أهمال)، حيث تستعيد الشاعرة عبارة شعرية مجازية لحالة التلاشي للمواعيد التي لا تأتي ، وهنا بلا شك تصبح انوثة معطلة ، ربما كتبت بقصدية ، وبالتالي تصبح المسألة لعب بفنية الجملة الشعرية لا بمدركاتها الحسية : (وراء كلّ نافذة مفنوحة / امرأةٌ تغزل من شعر الليل /منديلاً../ تواري فيه مواعيدَ لا تأتي)(ص38). 
في قصائد المجموعة ، ثمّة حمولات ذاتية معمقة ، حمولات تستنهض من خلالها شفرات المعنى والأحالات الرمزية المستعادة من فضاءات خاصة بها ـ أي الشاعرة ـ ، مع تنوع الموضوعات واستدعاء (الماحول)، لذلك، فقدت كينونتها (الأنثروبولوجيا) ، واكتفت بالذاتية المعبرة عن شواهد خاصة ، فكانت القصائد (خسائر الألوان ،واوقات مدينة كسلى ،ووشم الهوية ، وصناديق مثقوبة ،ومكرم عقيم ، ونشوة مجنحة، وعمى ، ونوايا مختلفة ، ووسخاء وصفح ، وغيرها)، معبرة عن كلية حياتية (ذات/ شعرية)، وربما في قادم الايام ستتفتح الشاعرة المالكي شفرات نصوصها ذات اللّغة
 المتعالية .. حتى في مناطق أخرى ، تمارس الشاعرة مغاليقها في القصيدة ، حيث يكون الشكل الشعري جزء من الشكل الاجتماعي ، ففي قصيدة (تشهير)، نقرأ : (الخطيئة تُرجم ،/بلى ، /بعباءة الستر../ لا بحجارة الفضيحة ، فما كان ربكم شقياً) 
(ص86). 
التفكير بالواقع وبالذات عن طريق القصيدة ، يخلق نصاً مليىء بالاسئلة ، اسئلة محملة بابعاد (اللّغة / الموضوع / الاستعارات المعوضة)، وبتناصات خجولة وغير صريحة ، على الرغم من تقنية الكتابة ، ووضوح ألية صقل الجمل 
عندها ..
(للفراغ وشمٌ وذاكرة)، مجموعة شعرية كتبت بتراتبية محسوبة، غير انّ عنوان المجموعة لا يشكل ذلك التراتب المتمازج مع القصائد ، مع ما يحمله من مجاز قابل للتلقي، والاّ كيف يكون للفراغ قيمة (بحسب العنوان)، والنصوص عبارة عن شواهد ، على كل تجربة ان تكون محسوبة الأبعاد ، فالعتبات النصية (العنوان والمضمون والخاتمة) كلُ يشكل بعضه بحسب (جيرار جينيت) ، وهذه التجربة أبانت لنا القدرة التي تمتعت بها (زهراء المالكي) في كتابة الشعر ، وفي التعامل الواعي لعوامل (الذات/ شخصية) و(الذات/ حياتية) و(الذات/ واقعية)
، ولعلنا ندرك مدى أهمية القصيدة عند شاعرة عراقية في ظل المرحلة العامة التي يمر بها واقعنا الاجتماسياسي ، على الرغم من وجود اصوات شعرية نسائية كسرت حاجز الكتابة وانتقلت الى مناطق أكثر جرأة من 
غيرها ..