علاء الياسين بين الحيادية والواقع الضاغط

الثلاثاء 11 حزيران 2019 81

علاء الياسين بين الحيادية والواقع الضاغط
  وجدان عبدالعزيز
عاش الشاعر علاء الياسين في قصيدته (دمعة خارطة) الواقع وذاب بين ابياتها بوجع عراقي تليد، وأخذ يرمم الذات وسط توزعها بين آلام ومرارات الحروب، وبين محنة الخبز في شحته، وانتهى به الخيال الى ان يتصيّر غير ذاته الى ذوات اخرى، حتى صار (اعمه الملح جان ايدور على اجروح)، ولكن الشعر في الالفية الثالثة، شعر خبرة
، وليس شعر سليقة، فـ(رؤية الشاعر ترسمها خبرته المتنامية بتجربة يتضح فيها احساسه، ووجدانه ومعاناته وتتلاشى فيها ذاته، فهو يقدم من خلال سياقه الديني والاجتماعي، والتاريخي نمطا انسانيا يتماهى مع مجتمعه)، لخلق نص شعري له (كيان مستقل، ووجود ابداعي يجب الا يفصح عن نفسه، ليعطي المتلقي فرصة البحث خلف كلماته واساليبه، وبنيته، لانه حين يفصح عن نفسه يفقد ابداعه وتميزه)، إذ بقي الشاعر الياسين متخفيا وراء اسطره، يتحرك بحيادية، ولكنه بوعي، ومن قوله:
 
(موجوده الشمس وانه الح عل الفانوس
وفانوس النهار الناس لابسته
توه الجرح سد شفافه راد ايطيب
وانه على البخت رديت ضحكته
وجي كلت القفص ارحم من الصياد
كل طير على غصني النوب ماشفته
ضميري من التعب خيرته بين وبين
قبل يصبح حزن بس ماقبل نكته
ماعندي كلب وابجي عله 
كل شي ايصير
ابجي عله الورد جي فقد منزلته
وابجي عله الوكف بالسره ومامشوه
وصل يمه السره وغيره 
الاخذ حصته)
 
فهذا النص، رغم انه يحمل ذات الشاعر المحترقة باتون واقعه، واقع حروب وخسارات، الا انه يحاول ترميم الواقع انتصارا لذاته، ومن ثم ايجاد دالة الايثار التي يحملها، اي يعيش الذاتي كنقطة انطلاق نحو ذلك الموضوعي المجبور على الخسارات، عساه ينهض وتنهض معه الذات.. اذن الشاعر يعيش صراعا ذاتيا موضوعيا، (فالشعر ليس عملاً ذاتياً محضاً، ولا يمكن، من ثم، وضعه خارج الواقع والتاريخ.. وكونه إنتاجاً شخصياً بالدرجة الأولى، لاينأى به عن إشراطات الواقع والتاريخ والمؤتمرات الاجتماعية والإنسانية... والواقعية عموماً. 
هذا إذا لم ننس أن منتج النص الشعري نفسه يتأثر بما يكوّن شخصيته من عوامل ومحددات وإشراطات: فيزيولوجية واجتماعية واقتصادية ونفسية وأخلاقية وسياسية وأيديولوجية.... أي أنّ الشاعر محكوم بمؤثرات قادمة من خارجه، وعى ذلك أو لم يعِ‏)، ولهذا نجد الشاعر علاء الياسين محترقا بالواقع، الا انه كل مرة ينهض وينفض غبار هذا الواقع، ليثبت لنا ان الشعر عاطفة انسانية مخلوطة بوعي انساني وفكري وقضية وهدف معين، و(نحن لاننكر خصوصية الابداع الفني ولاتفرّد الخلق في الفن، ولكن ذلك لايعني، بحال من الاحوال، ان لاصلة بين الابداع والتفرّد وبين الحياة بالمعنى الواقعي والملموس، قد تتخذ تلك الصلة اكثر من شكل، وقد تتوسطها اكثر من حلقة، لكنها تبقى موجودة وحاسمة، بل ونزعم ان غيابها يحول دون قيام أي عمل فني، ابداعا وخلقا وما شابه)، فخصوصية الشاعر الياسين، انه لاينفك عن الواقع، حتى وهو في اوج لحظاته ابداعه، قد يغيب في اللاوعي، لكنه سرعان ما يحاكم  خياله ويسترجع اشياء المحيط الضاغطة، فشعره يحاول اخفاء العام، الا انه لايحط من قيمته أو يتبرأ منه، واحيانا الشاعر الياسين يتعامل بفلسفة النسبي والمطلق، وفي اعتقادي هذا الامر هو تأثر  بما درسه من فضاءات الفلسفة اكاديميا في الجامعة، من حيث هو خريج قسم الفلسفة، ومن هنا رسم لنا لوحة وجع مضمخة بالحروب، واتخذ منطقة حيادية في الحياة امتدت بين الامل في التواصل، وبين حالة اليأس، أي بين ذلك العاشق، الذي (صعد أحلامه طيور)، وبين الذي وضع بالقفص شاجور، أي تأثيرات الحرب، فعاش الشاعر قلق المواساة بين هذا وذاك، حيث ختم قصيدته بقوله: 
 
(انته ابن عاشك صفن شاف السمه بلاجنح
صعد احلامه طيور
وسألوك عني شكلت حالف جذب بالكصب 
لناي ضل منذور
مجنون كبل الحرب شال المحبه علم
بالقفص حط شاجور 
كال انتصر وانتصر الغبره من انجلت الشجره بيه جرح
 واستشهد العصفور)
واجد في هذا المقطع تلك الحقيقة النسبية، إذ يقول بودلير: (الشعر تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالم مغاير وأخروي)..