رواية عن كاتب صار جاسوسا

الثلاثاء 11 حزيران 2019 79

رواية عن كاتب صار جاسوسا
بول ديفيز  ترجمة: مي اسماعيل
 
 
 
روى الكاتب "فريدريك فورسيث" (مؤلف روايات الإثارة ومنها- "يوم إبن آوى-The Day of the Jackal") في مذكراته تحت عنوان: "الدخيل: حياتي المخادعة-The Outsider: My Life in Intrigue" كيف أدى بضع واجبات لصالح الاستخبارات السرية البريطانية (British Secret Intelligence Service- SIS) المعروفة إختصارا بإسم "MI6". 
كان فورسيث حينها يعمل صحفيا في أفريقيا عندما جاءه أحد ضباط "SIS" وطلب منه معلومات عن الحرب في بيافرا. 
إستمر فورسيث (أثناء عمله صحفيا وكاتب روايات الاثارة لاحقا) بمساعدة "SIS" لقضايا عديدة؛ وردت الاستخبارات الجميل بتزويده بمعلومات لرفد كتاباته الأدبية. 
يتحدث الكاتب "تشارلز كامينغ" عن مدى تأثرهِ بإرتباط فورسيث بالاستخبارات البريطانية؛ وكيف قاده الى كتابة آخر رواياته عن الجاسوسية: "الفتاة المغربية"؛ قائلا: "في روايتي الجديدة يصبح كاتب ناجح لروايات الجاسوسية عميلا لدى الاستخبارات البريطانية "MI6". 
إسم الشخصية "كيت كارادين"، وهو في أواسط الثلاثينات، يعيش وحيدا في لندن. 
يواصل كارادين تأجيل لحظة جلوسه الى طاولة العمل ليكتب الألف كلمة يوميا التي تمكنه من إنجاز كتابه وفق الموعد المحدد. 
يعيش كارادين القلق وسرعة تشتت الذهن، ويعاني صعوبة تطويع ذاته للتعايش مع "روتين العمل اليومي المتكرر" في حياة الكاتب.. بإختصار: هو شخص ملول". 
قاد "كامينغ" شخصية كارادين للقاء رجل اسمه "روبرت مانتيس" في لندن؛ الذي عرّف عن نفسه بأنه ضابط استخبارات بريطاني. طلب مانتيس من كارادين أن يعمل ضابط إسناد للاستخبارات ويؤدي بضعة مهام أثناء حضوره مهرجان الكتاب في
مراكش. 
وافق كارادين؛ الذي استهوته فكرة العمل جاسوسا "حسن النوايا"! 
تاريخ تجنيد المؤلفين
كتب كامينغ قائلا: "هل يمكن أن يحدث هذا في الحياة الواقعية؟ هل تستخدم "MI6" كتّابا ليؤدوا مثل تلك الخدمات؛ أم أنني متهم بكتابة 350 صفحة من الخيال الذي أتمنى 
تحقيقه؟
الجواب هو:  بالطبع! فالاستخبارات السرية البريطانية "MI6" لديها تاريخ جيد التوثيق لتجنيد المؤلفين لخدمة مصالحها". 
لم يكن "فريدريك فورسيث" (كما لاحظ كامينغ) أول كاتب شهير عمل لصالح الاستخبارات السرية البريطانية تحت غطاء عمله الروائي. 
فقد جرى تجنيد الروائي الشهير "سومرست موم-Somerset Maugham" أثناء الحرب العالمية الأولى للقيام بمهام استخباراتية في سويسرا. 
وضع "موم" لاحقا تجربته تلك في قالب أدبي، من خلال رواية "آشيندين-Ashenden" وهو كتاب تجب قراءته على طلاب التجسس. 
وإنضم المؤلف "غراهام غرين-Graham Greene " الى"SIS" خلال الحرب العالمية الثانية وعمل لصالح الضابط "كيم فيللبي-Kim Philby" (الذي كُشِف لاحقا انه كان خائنا وعميل اختراق للسوفييت). عمل الكاتب "جون لو كار-John le Carre " لصالح "SIS"، أما الكاتب العالمي الشهير "ايرنست هيمنغواي" فقد قام ببعض اعمال الاستخبارات في كوبا مطلع الحرب العالمية الثانية. ويمضي كامينغ قائلا: "وأخيرا هناك "أيان فليمنغ-Ian Fleming"؛ الذي قادته تجربته في استخبارات البحرية خلال الحرب العالمية الثانية لخلق أشهر شخصيات الجواسيس: جيمس بوند. كان فليمنغ مسؤولا أيضا (بشكل جزئي) عن واحدة من أكثر الانقلابات الاستخباراتية براعة أثناء الحرب: عملية "اللحم المفروم"؛ التي جرى بموجبها وضع أوراق زائفة عالية السرية في جيب جثة، بقصد تضليل القيادة النازية". 
وكان باستطاعة كامينغ أن يضيف أيضا أن الكاتب الراحل "وليام بكلي الإبن–William F. Buckley Jr" (الذي خدم لفترة قصيرة لدى الاستخبارات الاميركية "CIA" في المكسيك) كتب لاحقا سلسلة من كتب 
لجاسوسية. 
حياة الجواسيس
في رواية "الفتاة المغربية" شرح مانتيس لكارادين لماذا يجد الكتّاب مفيدين ((للعمل الاستخباري))، قائلا: "يوفر المؤلفون خلال رحلاتهم البحثية غطاء ممتازا للعمل السري. 
وللروائي الفضولي دائما عذر لا يُقهر لدس أنفه هنا وهناك. وكل تصرف غير مألوف أو مثير للشك يمكن تبريره بكونه جزء من العملية الإبداعية". 
إنحصرت مهمة كارادين في المغرب بإيصال المال الى أحد العملاء، ثم البحث عن شخصية غامضة مبهمة إسمها "لارا بارتوك". بارتوك هي الصديقة السابقة لإيفان سيماكوف؛ وهو زعيم حركة إرهابية عنيفة تُعرف باسم القيامة (مجموعة جماعات يسارية مناهضة للفاشية، تهاجم شخصيات يمينية مرموقة). 
تصدرت أخبار الاغتيالات والاختطافات التي نفذتها "القيامة" نشرات الأخبار؛ وشهد كارادين قبل مغادرته لندن تلك الحركة تختطف صحفيا في إحد شوارع المدينة. 
يعيش كارادين حياة الجاسوس في مراكش وكازبلانكا، ويصادف عددا من الشخصيات الغامضة. يكتشف أن "القيامة" والروس والأميركان يبحثون أيضا عن الفتاة.. يعثر عليها أخيرا ويقع في حبها، وفي محاولته لحمايتها يخطط كارادين عملية فرارها من المغرب، على ظهر يخت يملكه رجل وإمراة قابلهما هناك. 
كما هو الحال في روايات الإثارة الجيدة؛ هناك عدد من المطاردات والعراك بالأيدي والمسدسات، وعمليات القتل والتعقيدات الرومانسية، والأشخاص الغامضين الذين يُظهرون خلاف الحقيقة. 
وتقدم الرواية أيضا أجواء المغرب المثيرة. "الفتاة المغربية" تذكير بمؤلف روايات الجاسوسية البريطاني الراحل "أيريك آمبلر- Eric Ambler"؛ الذي كتب عن الهواة السذج الذين يجدون أنفسهم محاصرين في عالم من المؤامرات والعنف. 
يمكن القول عموما أنها رواية مشوقة حسنة التأليف؛ رغم بعض الإشارات الرخيصة الى دونالد ترامب وقناة "فوكس نيوز". 
 
صحيفة واشنطن تايمز