البئر المختفية فينا

الثلاثاء 11 حزيران 2019 97

البئر المختفية فينا
ياسين النصير
 
 
كل ما نفكر به، وما نمارسه، وما نعمل في الغد لتحقيقه، يكون له جذره المثيولوجي الخاص به، فأعمال الإنسان، جزء من بنيته كإنسان، وبدون فهم هذه الجدلية، لن تكون لأية فكرة أو ممارسة حياتية 
بقاء. 
 لايتوقف الأمر عند هذا الطرح المباشر،فلدينا حقول للمعرفة شبه غامضة،وبدون وعي جذرها المثيولوجي كأولىالقواعد للتفكير، لن نستطيع الحديث عنها: خذ، الصحراء، التراب، الماء، المحيطات، السفر، الليل، الغابة، الأهوار...الخ، وكلها أسماء  لمجاهل وغوامض وان بدت لنا أسماء مألوفة، فلا نستطيع الدخول إليها دون أن نعرف جذرها، ليس جذرها اللغوي فقط،بل المعرفي والدلالي والثيولوجي والإنثروبولوجي.
هذه أولى الخطوات المعرفية لفهم أنفسنا في عالم متغير.
الخطوة الثانية،لا يمكن فهم أي شيء دون علاقة ما له مع آخر، الأشياء لذاتها لا معنى لها،إلا بحدود فهمها خارجيًا، ولكن بوجودعلاقة لها مع الآخر، يعني ثمة حوار بينهما.
خذ علاقة الماء بالصحراء، الحجر بالماء، الماء بالنار، البئر بالزمن. ياتي موسى فيضرب الصخرة لتتدفق منها ينابيع ماء، ويسقي بها سكنة الصحراء، كما أتى ابراهيم حين ضرب عصاه فتفجر بئر زمزم، فبنيت الكعبة، يقوم للدين مقاما في صحراء لها علاقة بالماء. ولاتسأل لم الصحراء،دون غيرها، هذا الفضاء اللا مكاني وغير المحدد جذوره مائية؟ وإلا لما تحرك 
سطحه. 
تعيننا  المثيولوجيا على تفسير العلاقة الجدليةبين الصلابة والسيولة، بل وترشدنا إلى ما هو معتقد في المثيولوجيا، لاشيء في يد ابراهيم وعصا موسى من قدرة يكشف بها عن وجود الماء في الصخور، إنمن يوجد الماء يوجد بشريبحثون عن جذورهم، فهم مخلوقون من ماء وطين.
فالوجوديتعمق بمفهوم الخصب،وعندما يولد الكائن يتعلق وجوده بمفهوم الينبوع، وعندما يشبُّ يتعلق بمفهوم المجرى، وعندما يكبر يتعلق بمفهوم المصب، ليتسع عالمه بمفهوم الجذور والأعماق، ثم يصبح زرعًا بمفهومي الإرواء والعطش، وعندما تضيف المخيلة لوجود الأشياء الجذور،والأشياء الممارسة، والأشياء المتخيلة، بمفهوم المطر النازل، والماء الصاعد، تكون المثيولوجيا قد اوجدت الله سبحانه في الأشياء.لتتوسع المعارف لاحقًا، ويتجدد التفكير،وتتسع دائرة التخييل، وتتنوع طرائق العيش،وتبدأ التجمعات الصغيرة لتصبح شعوبًا وقبائل.
فمفهوم الماء المعلق في السماء، والماء الساكن في الأعماق، جزء من مفهوم الصحراء والصخر والسفر والبحث، والوجود. وسيكون المنبع والمصب، بدايتين ونهايتين لمجرى الحياة، وما بينهما:سفر، وارواء، وشبع، وثمار،وجريان، وزمن. فالخصب مفهوم روحي ومادي، يتصل برحمية الأرض، وبقدرة الإنسان على التجريب، وحين تاه موسى في صحراء سيناء، لا يعني ان تيهانه هو من اجل ان يضرب صخرة لتتفجر ماء، بلمنأجل أن يجد نفسهخارج سلطة فرعون، هذه مثيولوجيا ملصقة بقضية الوجود، فالصحراء المانحة تقترن بالمرأة، ونحن نعرف قصة المرأة في قضية موسى.
لماذا يرافقنا السؤال ما جدوى أن تكون حياتنا ممتلئة بالأشياء التي نعرفها؟
بالرغم من أننا قد لا نحتاجها كلها؟
قد يكون مثل هذا السؤال ساذجا إذا نظر إليه بمستوى الملكية الفردية، نحن في مجتمع لا نملكه، وإن ملكنا جزئية منه، هي تلك التي تخصنا، ولكننا وأشياءنا لا نملك كل العالم، لهذا لابد من وجود أشياء لا تخصنا، بالرغم من أننا نجنيها ونعمل على إدامتها،ونسعى لوجودها،ونحس بالفراغ إذا
 لم توجد.
لنتأمل البئر، هذا التكوين المضاد للسطح، البئر ماء، يعني الخصب، البئر اليابس، يعني الجدب وخلاصة الأمر: البئر ليست هي المعنية،بل فضاء للخصب/الجدب. كل شيء يحوي نقضيه، كلما كانت الأرض يابسة، حُفر فيها، قبور الموتى طرائق للأعماق.
فللصحراء كينونة اليباس والمنح، ومثيولوجيتها لا تعيننا حتى علىالتفكير بالمستقبل، لكنها لا تخلو من مثيولوجيا الخصب، ليسمن خلال جذورها العميقة التي يتسرب الماء إليها، بل من خلال كينونتها  كوجود لا يتعلق بالجدب فقط.
لا شيء يتم دون اكتمال دورة وجوده، فالماء كينونة الصحراء المختفي في أعماقها، وهذا يدلنا بوضوح أن الأشياء الظاهرة تخفي أشكالًا منها في ابعادها اللامرئية، هناك، حيث توجد تكوينات الطبيعة للخصب بشكل الجذور اللامتشكلة، تمد كل ما فوقها بما تختزنه تحتها، الصحراء والأمكنة القاحلة لا نعرف متى اصبحت صحراء. ما نعرفه هوما نراه فيها..
اسألوا ابراهيم الكوني عن ينابيع الماء اللغويةوالمثيولوجية التي تختزنها الصحراء؟، من اين اتى بهذا الثراء اللغوي في رواياته الخصبة؟ واسألوا القاص حامد فاضل عمّا تختزنه بادية السماوة من خيرات العيون والينابيع والرمال والأخضراء المختفي؟ ليست الصحراء لغة بكماء لا تكشف عن مخزونها إلا متى ما عمل فيها معول الفكر؟
فما اكتشف منها إلا 5 % فقط، وغالبًا ما يكون المكشوف خاصًا سطحها،  شأنها شأن اية لغة، كالعربية، ما يستثمر منها ابداعًا بحدود 5 % بينما الـ 95 % غائرة في رمال حروفها وفي مخيلتها. قد يشط بنا المزار، ونقول أن لغتنا العربية صنو الصحراء،فالذاكرة البشرية ليست مكشفة كلها من خلال اللغة،ما يختفي فيها أكثربكثير مما يظهر منها. على عكس اللغات التي نشأت في المدن، دائمًا تتجدد وتتغير،ولا يحركها إلا متغيرات المدن 
الأخرى.
وهذا يعني أن تلك المخفيات والمحتجبات لا تنتج ، ما يغايرها، لأن قدرتنا الإبداعية على استخراجها من مكامنها لا تقترب من مجاهلها كثيرًا، نحن لا نملك عصا موسى لنشق البحر، ونستخرج الينبوع دون مخيلة مثيولوجيا السماء في ديمومة الأرض..
ننظر للغة  المختبئة في مذاق الحرمان من الصور، كما نكتشف أن مذاق الليل في جوار الماء، أفضل من جواره للنهار. الظلمة خزين، وأن تأمل مذاق الصحراء في جوار الريح والمطر، يصبح كل هادئ صاخبًا، ما يطرب أسماعنا من أغنيات الريف هو صورها التي تعيشها المخيلة، بينما ما خفي وراء الصور تلك الطاقة الغائبة في الحب، نحن لا نرى الصحراء من خلال رمالها، كما لا نرى النهر من خلال مائه، ولا النارمن خلال ضوئها،ولا الهواء من خلال هبوبه، كل هذه الصور المرئية هي السطح المادي لها، في حين ان كينونتها، وجوهرها هناك، في المحتجب،في الذي لايرى، في الذي تبحث عنه عصا موسى، في القدم التي تجوس البئر المختفية 
فينا..