الدولة كنموذج شركة.. ترامب وثورته ضد {الكاتدرائيَّة}

آراء 2025/01/28
...

 أحمد حسن

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الليبرالي الأمريكي، أصبح من الواضح أن نقد هذا النموذج لم يعد ترفاً فكرياً أو مجرد تعبير عن إيديولوجيا مضادة، بل هو ضرورة تاريخية تترافق مع أزمات عميقة تهدد الاستقرار العالمي.

من بين أبرز الأصوات، التي تثير هذه التساؤلات وتطرح تحدياتها الجذرية، يأتي كيرتيس يارفين، المفكر الذي لم يتوقف عن زعزعة أركان الديمقراطية الأمريكية، ليقدم لنا تصوراً يتجاوز النقد إلى بديل جريء ينادي بإعادة تشكيل السلطة والنخب السياسية والفكرية. يرى يارفين، الذي اشتهر بلقب "مينسيوس مولدباغ"، أن الديمقراطية ليست سوى تجربة فاشلة، تجلب معها إضعاف المؤسسات الأساسية، وتحويل الدولة إلى ساحة صراعات حزبية وشعبوية، تخدم مصالح آنية وقصيرة الأمد. في هذا السياق، يعتبر أن الديمقراطية قد سقطت في فخ مبدأ المساواة الذي، على الرغم من كونه حلمًا نبيلًا، يؤدي إلى تعميم اللا مساواة في التنفيذ، مُعطلاً بذلك إمكانيات الابتكار والفعالية.

الأساس الذي يبني عليه يارفين رؤيته هو مفهوم "الكاتدرائية" - التسمية التي أطلقها للإشارة إلى تحالف القوى الثقافية والإيديولوجية التي تتحكم بها النخب الأكاديمية والإعلامية. في رأيه، "الكاتدرائية" ليست مجرد مؤسسة أكاديمية أو إعلامية، بل هي القوة المهيمنة في العالم المعاصر، تلك التي تعمل خلف الستار لتوجيه السرديات الكبرى، فرض هيمنة الفكر الليبرالي، ورفض كل محاولات التغيير الثوري.

بينما تروج "الكاتدرائية" لفكرة المساواة والحرية، يُظهر يارفين أن هذا النموذج يقيد المجتمعات الإنسانية بدلاً من أن يفتح أمامها آفاقًا جديدة من الكفاءة والإبداع. برؤيته، التفاوت بين الأفراد ليس فقط أمرًا طبيعيًا، بل هو العنصر الأساسي الذي يدفع المجتمعات نحو التقدم. التساوي في القدرة لا يعزز الكفاءة، بل يقود إلى الاستقرار الوهمي الذي يطمس التحديات الحقيقية التي تواجهها البشرية.

يرتكز مشروع يارفين على فكرة إعادة تشكيل الدولة على غرار نموذج الشركات الكبرى، التي تديرها النخب التكنولوجية المبدعة. في هذا النموذج، تصبح الدولة كياناً اقتصاديًا يحقق الأرباح ويضمن الاستقرار بعيدًا عن المساومات الشعبية أو الانتخابات الشعبية، التي كثيراً ما تفرز قيادات ضعيفة ومتنازعة. التحدي هنا هو الدعوة إلى أن يتم اختيار القادة بناءً على كفاءتهم ونتائجهم العملية، وليس استنادًا إلى التصويت الشعبي، الذي يسعى فقط إلى تلبية رغبات لحظية. هذه الرؤية التي يبدو أنها نشأت من رحم نقمة على المؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن، تجد صدى قويًا في صعود دونالد ترامب، الذي جسد بطريقة أو بأخرى التمرد ضد "الكاتدرائية". تمرد ترامب لم يكن مجرد ثورة شعبوية على النظام القائم، بل كان تصويتًا جماهيريًا يرغب في كسر سيطرة النخب الليبرالية على الساحة السياسية. ففي الوقت الذي تبنَّى فيه ترامب خطابًا مباشرًا وشعبويًا، كان يارفين يرى فيه خطوة أولى نحو الانقلاب الكامل على النظام الديمقراطي التقليدي.

لكن في ما يتعلق بتصور يارفين، يمكن القول إن "التنوير الظلامي"، الذي يطرحه ليس مجرد دعوة إلى تغييرات هيكلية في النظام السياسي، بل هو جريمة بحق الإنسانية، حيث يسعى هذا التوجه إلى تحويل البشر إلى مجرد خوارزميات تخدم مصالح الشركات الكبرى. إنه يدمج بين النظام التكنوقراطي والسلطة المطلقة للنخب التكنولوجية، حيث تصبح القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة محصورة في أيدي قلة من العلماء والمهندسين، الذين يرون العالم من خلال العدسات المعرفية والاقتصادية البحتة، متجاهلين بذلك القيم الإنسانية الأساسية مثل الحرية وحقوق الأفراد. بينما يسعى يارفين إلى خلق مجتمع يتزعم فيه التكنوقراط - الفئة التي تملك المعرفة والتكنولوجيا - السلطة، يُظهر الواقع أن النظام الذي يروج له يرقى إلى التهديد وجودي للإنسانية. هذا التحول هو دعوة لهدم المؤسسات الديمقراطية التي قد تكون مشوهة، ولكنها تمثل ضمانات أساسية للحقوق الفردية والحريات.

إذا كانت "الكاتدرائية" هي رأس الحربة للنظام الذي يقاوم التغيير، فإن الهجوم الذي يقوده يارفين على الديمقراطية الغربية هو تهديد مباشر لما يعنيه أن تكون إنسانًا. ففي هذا الصراع الفكري والسياسي، تصبح المواجهة مع "التنوير الظلامي" أكثر من مجرد نقاش أكاديمي؛ إنها معركة من أجل الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وعلى المبادئ التي تضمن أن الإنسان ليس مجرد رقم في معادلة اقتصادية، بل هو كائن ذو إرادة وحقوق وطموحات.

إن ما يشهده العالم اليوم من صعود لهذه الأفكار التكنولوجية الراديكالية هو دعوة لنا جميعًا للنهوض والوقوف ضد هذا الاتجاه الذي يهدف إلى تدمير الفضاءات التي تضمن لنا الإنسانية. ورغم التحديات، فإن الحفاظ على القيم التي تقوم عليها الديمقراطية الغربية - رغم عيوبها - هو ضرورة وجودية للأجيال القادمة.

أين سنقف نحن في هذا التحول التاريخي؟ هل سنكون مجرد أدوات في خدمة النخب التكنولوجية، أم أننا سنستمر في السعي من أجل إنسانية تُعنى بالكرامة والمساواة والحرية؟ هذه الأسئلة تبقى في قلب الصراع الفكري الذي سيحدد معالم المستقبل السياسي في العالم.


باحث واكاديمي