ناجي الغزي*
في سياق سياسي وأمني يتسم بالتصعيد والتوتر، يأتي الكشف الإيراني عن قواعد عسكرية سرية، منها قاعدة صواريخ بحرية تحت الأرض في الخليج وقاعدة طائرات دون طيار في جبال زاغروس، كخطوة محسوبة لإعادة رسم توازن الردع مع خصومها. ما يجعل هذا الكشف أكثر إثارة هو توقيته، الذي يتزامن مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بوعود واضحة بتحجيم نفوذ إيران وحماية إسرائيل بأي ثمن، إلى جانب رفع القيود على توريد قنابل متطورة تزن ألفي رطل لإسرائيل، ما يضيف أبعادًا خطيرة
للمعادلة.
يبدو أن إيران تسعى إلى تعزيز قدراتها الاستراتيجية داخل أراضيها، وإظهار قدرتها على الردع على المستويين البحري والجوي، كرسالة بأن إيران لا تزال تحتفظ بأوراق قوة قادرة على قلب المعادلة الإقليمية.
ترامب وإيران:
تصعيد منظم لحماية إسرائيل
منذ أن تولى ترامب رئاسة الولايات المتحدة، شكّل الملف الإيراني أولوية استراتيجية لإدارته. سياساته التي عُرفت بـ"الضغوط القصوى" استهدفت طهران من خلال فرض عقوبات خانقة على قطاع النفط والاقتصاد الإيراني بشكل عام، مترافقة مع تحذيرات مستمرة باللجوء إلى الخيار العسكري.
ترامب، الذي لا يخفي دعمه المطلق لإسرائيل، لم يتردد في وصف إيران بأنها أكبر تهديد للأمن الإقليمي، متعهّداً بتحجيمها وضرب نفوذها المتزايد في المنطقة العربية. إعلان إيران عن قواعدها العسكرية السرية في هذا التوقيت يمكن فهمه كرسالة ردّ استباقية لأي تحرك أمريكي أو إسرائيلي، مفادها أن طهران مستعدة لتصعيد المواجهة إذا تجاوز خصومها الخطوط الحمراء.
رفع القيود على القنابل الموجهة
في تصعيد إضافي، أصدر ترامب تعليماته برفع الحظر الذي فرضته إدارة بايدن على توريد قنابل متطورة تزن ألفي رطل لإسرائيل، وهو سلاح يُستخدم عادةً لاستهداف مواقع تحت الأرض. هذا القرار يحمل في طياته إشارات خطيرة لإيران، خاصة أن إسرائيل طالما أكدت أن ضرب منشآت إيران النووية بات خياراً على الطاولة.
الإعلان عن قواعد تحت الأرض في إيران لا ينفصل عن هذه التطورات. ففي ظل امتلاك إسرائيل لهذه القنابل، تسعى طهران إلى توجيه رسالة بأن منشآتها محصّنة وأن أي محاولة لاستهدافها ستُقابل بردّ عسكري واسع، ربما يشمل استهداف البنية التحتية الإسرائيلية أو القواعد الأمريكية في الخليج.
لماذا الآن؟ التوقيت كأداة استراتيجية
التوقيت ليس مجرد صدفة. هناك عدة عوامل تفسّر إعلان إيران في هذه اللحظة الحرجة:
1 - التوتر الإقليمي المتزايد: مع تزايد الحديث عن ضربة عسكرية إسرائيلية محتملة للمنشآت النووية الإيرانية، تجد طهران نفسها مضطرة إلى تعزيز خطاب الردع.
2 - عودة ترامب للبيت الأبيض: عودة ترامب تعني عودة سياسة المواجهة المباشرة، ما يدفع إيران لإعادة ترتيب أوراقها الاستراتيجية.
3 - استعراض القوة الإقليمية: إيران تريد التأكيد على أنها لاعب رئيسي في المنطقة، وقادرة على التأثير في أمن الخليج وموازين القوى مع إسرائيل.
الإعلان الإيراني له بُعدان رئيسيان:
• داخلياً: يعكس النظام الإيراني قدرته على مواجهة التهديدات رغم العقوبات والضغوط. القواعد السرية تُظهر أن إيران ليست مجرد دولة مقاومة، بل دولة قادرة على تطوير قدراتها العسكرية في أصعب الظروف.
• خارجياً: الرسالة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل واضحة: إيران مستعدة للتعامل مع أي هجوم محتمل، وقادرة على توسيع دائرة الصراع ليشمل الخليج وممراته الحيوية.
ماذا بعد المواجهة أو التفاوض؟
إيران تدرك أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض تعني احتمال تصعيد الصراع. رفع القيود عن توريد القنابل الموجهة لإسرائيل يعزز مخاوف طهران من أن ضربة عسكرية لمنشآتها النووية قد تكون قريبة. في المقابل، تكشف إيران عن قدراتها العسكرية لرفع تكلفة أي مغامرة عسكرية ضدها، مع الإبقاء على الباب مفتوحاً للتفاوض إذا تغيرت الظروف.
لكن هل تنجح إيران
في تحقيق توازن الردع؟
يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة حساسة من التصعيد، حيث تتشابك المصالح الأمريكية والإسرائيلية مع التطلعات الإيرانية الإقليمية. الكشف عن القواعد السرية هو جزء من لعبة معقدة تسعى فيها طهران لتثبيت موقعها كقوة إقليمية قادرة على تحدي الضغوط. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكفي هذا الاستعراض العسكري لمنع المواجهة، أم أنه خطوة أخرى نحو صراع مفتوح؟
*كاتب ومحلل سياسي