لا تزهد في المواعظ الصادقة

الأربعاء 04 كانون أول 2019 311

لا تزهد في المواعظ الصادقة
حسين الصدر 
 
- 1 -
في حياة العظماء دروسٌ مُلِهمة تثري حياتنا وتمدّها بألوانٍ من المردودات الايجابية والتأثيرات الفاعلة في شتى الميادين وتكون المحصلة النهائية باهرةً بكل المعاني والمعايير .
 
- 2 -
وفي هذه السطور العجلى سأحدثكم عن عَلَمٍ من أعلام المرجعيات الدينية العليا، وقطبٍ من أقطاب الفقاهة والقداسة والتجديد في علوم الاسلام، ذلك هو آية الله العظمى الشيخ مرتضى الانصاري المتوفى سنة 1281 هـ في
النجف الاشرف .
 
- 3 -
لقد دعا المرجع الأعلى للامامية المرحوم آية الله العظمى الشيخ محمد حسن النجفي – صاحب موسوعة (جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام) - وهي أكبر موسوعة في فقه الأمامية، وهي الموسوعة الوحيدة التي استوعبت الفقه كله من أول كتاب الطهارة الى آخر كتاب الديات علماء الحوزة العلمية الشريفة في النجف الاشرف من كبار المجتهدين والمحققين وسأل عن الشيخ الانصاري الذي لم يكن حاضراً فبحثوا عنه فوجدوه في حرم الامام امير المؤمنين (ع) مشغولاً بالدعاء لصاحب الجواهر (الشيخ محمد حسن الجواهري المتوفى سنة 1266 هـ) وحين حضوره أرشد صاحب الجواهر المجتمعين الى انه يرشح الشيخ  الانصاري لخلافته في المرجعية، وحسم مسألة الخلافة بنفسه 
وهنا : 
توقف الشيخ الانصاري عن القبول أتدرون ماذا كان السبب ؟
قال لهم :
كان لي زميل في الدرس عند أستاذنا شريف العلماء في كربلاء، وكان أعلم منّي فكيف أتقدّم عليه ؟
وسرعان ما اتصلوا بذلك الزميل وجاء الجواب :
انه انصرف عن مواصلة الدراسة والابحاث، الامر الذي يعني بالضرورة تفوق الشيخ الانصاري عليه، وهذه هي الموضوعية في أعلى تجلياتها وهذا هو نكران الذات بأوضح عناوينه وصَيغهِ .
- 4 -
قالوا : إنّ أمّ الشيخ الانصاري لم تكن تُرضِعُهُ الاّ اذا كانت على طهارة، فهي تتوضأ قبل أنْ ترضعه..
ومَنْ مِنَ الامهات اليوم لا ترضع ولدها إلّا وهي على طهارة ؟إنّ الكثيرات منهن لا يرضعن أولادهن أصلاً اكتفاءً بعلب حليب الأطفال..!!
 
- 5 -
لقد جاء في سيرته :
انه طلب من تلامذته الذهاب مجتمعين للاستماع الى مواعظ الشيخ جعفر التستري – أحد أبرز مشاهير العلماء الخطباء في عصره وهو صاحب كتاب الخصائص الحسينية – للاستماع الى موعظته، ويكفيك أنْ تعلم أنَّ الشيخ الانصاري هو صاحب مدرسة عريقة في الفقه وأصوله وكتاباهُ (المكاسب) في الفقه، والرسائل (في أصول الفقه) مازالا يدرّسان في الحوزات العلمية كلها رغم مضي مئة وستين عاماً
على وفاته . لقد سعى الى الاستماع الى الموعظة الصادقة ولم يُثْنِهِ عن ذلك مقامُه الروحي العلمي والاجتماعي الشامخ، وانما سعى وبكل جدّ ولهفة للاستفادة من مواعظ الشيخ التستري، في منحى بليغ الدلالة على اننا لن نستغني عن العلماء المخلصين الصادقين مهما بلغنا من درجات الرقي العلمي والثقافة الرحيبة . وهنا تكمن العظمة .